إن الرسالة الإعلامية ليست من جنس ما يُظن أنها مجرد أداة لنقل ما هو ظاهر من الأخبار والمعلومات، بل هي وعاء يحمل في طياته ما لا يحصى من القيم والمعاني التي تتداخل وتتشابك، حتى إنها لتبلغ في تأثيرها مبلغًا عظيماً في العقول والقلوب. وإنك لترى تلك القيم متلوّنة بتلون السياق الذي تنبث فيه، فتكون مرة سياسية، ومرة اقتصادية، وثالثة ثقافية، ورابعة اجتماعية، وخامسة تربوية وأخلاقية، وكل منها يصيب في النفوس مواقع شتى، وإنه لواجب على من أراد الفهم الصحيح، أن ينظر إلى هذا السياق الذي تغرس فيه تلك القيم، فيفهم كيف تستقبل الرسائل، وكيف تتفاوت الأفهام في تلقيها، وكيف يتأثر بها جمهور الناس.
أما في أيامنا هذه، وقد تقدمت الآلة وتبدلت الأحوال بتطورات عجيبة في الصناعة والتقنية، فقد أصبح الإعلام يواجه من التحديات ما لم يكن في سالف الدهر، مما يلزمنا بإعادة النظر في القيم التي تحملها الرسائل، والسعي إلى تحقيق التوازن في ما بينها، كي تكون الفائدة عامة، والصدق محفوظاً، والمصداقية ثابتة في كل حال.
إن من أعظم القيم التي تحملها الرسالة الإعلامية هي القيمة الاقتصادية، فهي السبيل إلى ترويج ما يعرضه أهل الصناعة والتجارة من السلع والخدمات، إذ به تجلب الأرباح، وتغذى خزائن الشركات المعلنة، ويدوم ريع اقتصاد وسائل الإعلام نفسها.
غير أن هذه القيمة وإن كانت جليلة القدر، لا ينبغي لها أن تطغى على غيرها من القيم، ولا أن تسلب الرسالة الإعلامية روحها ومقاصدها، فإن للقيمة الثقافية مكانة لا تدانيها، إذ إن الإعلام بقدرته على نقل التراث والآداب، وحمل الثقافات من أقصى البلاد إلى أدناها، يكون له اليد الطولى في تعزيز الهوية الثقافية، وفي حفظ الإرث الذي توارثته الأمم جيلاً بعد جيل.
ثم أن القيمة الاجتماعية يتجلى فيها دور الإعلام في قيادة النقاشات العامة، وإثارة الوعي بقضايا المجتمع، وتقريب المسافات بين الأفراد والمجتمعات، أوليس الإعلام هو الذي يوجه الأنظار إلى القضايا الاجتماعية، ويؤثر في الآراء حول السياسات المجتمعية، ويكشف عن المواقف التي تسود بين الناس؟ فلا عجب أن يكون له أثر عظيم في بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة الملمات والتحديات.
أما القيمة التربوية، فهي التي تجعل من الإعلام مدرسة مفتوحة، يعلم الناس ما ينفعهم، ويرشدهم إلى ما يجهلونه، فالإعلام التربوي يهتم بنشر المعرفة، وبناء العقول على أسس سليمة، حتى يستفيد المتلقي في دينه ودنياه، وإن وسائل الإعلام إن التزمت بهذه المهمة، كانت أداة لنقل العلوم والمعارف من جيل إلى جيل، تُصقل العقول وتُهذب النفوس، وتربي الشباب على مكارم الأخلاق.
وإن أردنا إكمال القول في القيم، فلا ننسى القيمة السياسية، فإن للإعلام دوراً خطيراً في تشكيل الرأي العام، وفي توجيه الأنظار إلى ما يدور في ساحات الحكم وأروقة السلطة، فهو النافذة التي من خلالها يبصر الناس ما يفعله الحكام، ويرقبون السياسات التي تسن، والقوانين التي توضع، وبالإعلام تعلن المواقف السياسية، وتثار النقاشات حول الحروب والصلح، والسلم والنزاع، حتى يصبح الناس في قلب الحدث، سواء كانوا في أقصى الشرق أو أدناه. ولولا الإعلام، لضاع الوعي السياسي، وغيبت الشعوب عن مصالحها ومظالمها، فلا يعلم حينها من أين يؤخذ الحق، أو كيف يرد الباطل.
وأخيراً، تبقى القيمة الأخلاقية، وهي السيدة الحاكمة على كل القيم، إذ يجب أن يظل الإعلام وفياً لها، لا يجامل فيها، ولا ينحرف عنها. فإن الإعلام إن لم يكن صادقاً وأميناً في رسالته، فقد ضاعت ثقة الناس فيه، وأصبح وسيلة للتضليل والإفساد، وإن الصدق والنزاهة في الإعلام هما الميزان الذي توزن به الرسائل، فتخرج ناصعة البياض، تحقق الخير وتجنب الشر، وإن ابتعد الإعلام عن هذه القيم، فقد خان الأمانة، وأصبح سبباً في فساد المجتمع وتزييف الحقائق، حتى يُصاب الناس بالجهل والضلال، ويضلوا طريق الصواب.
وتختلف وجوه تطبيق هذه القيم بين قديم الإعلام وحديثه، فأما الإعلام التقليدي، كالصحف المكتوبة، والمذياع المسموع، والشاشات المرئية، فقد عرف بثبات رسائله ورسوخها، وكان يعتمد في بقائه على صدق القول وثقة الجمهور، فكانت رسائله كالعهد الموثوق، لا يتزعزع ولا يتغير.
وأما الإعلام الجديد، كوسائل التواصل التي لا تهدأ ولا تفتر، فقد برزت فيه القيم الفردية، حيث صار المحتوى يفصل تفصيلاً على هوى الناس، وكل يخاطب بما يرضي ذوقه ويلائم طبعه، فإن هذا التخصيص، وإن زاد من إقبال الناس وتفاعلهم، فقد أثار من المعضلات الأخلاقية ما كان خفيا في الإعلام القديم، إذ أصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه للأخبار الزائفة، والمعلومات المغلوطة التي تفسد العقول وتضلل الأفهام.
وإذا ما حلت الكوارث وتتابعت الأزمات، هنا يظهر للإعلام شأن عظيم، إذ يغدو منارة هدى للناس، وأداة تجمع بها الأمة صفوفها، ويُشدّ بها أزر بعضها، ففي أوقات الشدة، كالأوبئة التي تفتك بالأجساد، أو الكوارث الطبيعية التي تزلزل الأرض، لا يجد الناس ملاذاً إلا في الإعلام، يستقون منه حاجتهم من الأخبار، ويأخذون منه ما يرشدهم إلى النجاة، وهنا لا يكون من الأمر بدٌّ إلا الصدق والشفافية، فإن في التضليل هلاكاً، وفي الكذب عواقب وخيمة. وإن الرسالة الإعلامية في هذه الأوقات، إن لم تكن صادقة نقية، أضرّت بالمجتمع، وجلبت من البلاء أضعاف ما تجلبه الكوارث نفسها.
ولا ريب أن الإعلام يتأثر أيما تأثير بالسياق الثقافي والسياسي الذي يتحرك في فلكه، ففي المجتمعات التي أنعمت عليها حرية التعبير، تجد الرسائل الإعلامية متألقة، تعزز قيم الرأي والرأي الآخر، وترفع راية حق التعبير، وتكون لسان حال الشعوب المطالبة بالعدالة، وأما في ظل الأنظمة السلطوية، فقد تتلون الرسائل بألوان المصالح الخاصة، وتسخر لخدمة أغراض لا يعرف لها الحق مسلكاً، مما يظهر الحاجة الدائمة إلى إعلام حر، مستقل في نظره، بعيد عن سطوة السلطة وضغوط الساسة، يقدم الأخبار صافية نقية، لا تشوبها الشوائب ولا تخنقها القيود.
ومع ما نشهده من عجائب التقدم في ميادين التقانة، فإن القيم التي تحملها الرسائل الإعلامية قد تغيرت تغييراً عميقاً، حتى كادت تقلب الأرض غير الأرض، والناس غير الناس. فإن الابتكار في الآلات لم يقتصر على مجرد زيادة التفاعل بين الجمهور والمحتوى، بل جاوز ذلك إلى ما هو أعجب وأدق، إذ صار في مقدور الإعلام أن يفصل الرسائل على قدر كل فرد، ويخاطبه بما يشتهي سمعه، ويلائم هواه، وكأن الرسالة ولدت في بيته، ونشأت على عاداته وميوله، لا تنقص ولا تزيد.
غير أن هذا التغيير، وإن حمل من الفوائد ما لا ينكر، وجلب من المنافع ما تقر به العيون، فإنه قد أتى أيضاً بمصاعب أخلاقية، ومزالق فكرية، لم تكن في حسبان من سبقنا من أهل الإعلام، فقد يسرت هذه الخوارزميات التي تحكم هذه الوسائل انتشار الأخبار الكاذبة، وترويج المحتويات المغلوطة، حتى أصبح الباطل في ثوب الحق، والضلال في زينة الهدى، ولما كانت الخوارزميات لا عقل لها يزن الأمور بميزان العدل، فقد تعزز التحيزات بغير علم، وتدفع العقول إلى مهاوي الجهل، فيُغرر بالسامعين، وتلبس عليهم الأمور، حتى يختلط عليهم الصواب والخطأ، ويصير الحق مرذولاً، والباطل مرفوعاً فوق الأعناق.
وفي هذا المقام، ينبغي أن تكون القيمة الأخلاقية عماد الرسالة الإعلامية وركيزتها، فهي حجر الزاوية الذي تستند إليه، والميزان الذي توزن به. فما الإعلام بغير أخلاق إلا كالسحاب بلا مطر، أو السفينة بلا ربان، يلقى بالرسائل في مهب الرياح، فيضل السامع ويضل المرسل، والأخلاق هي التي تكسب الرسالة صدقها، وتمنحها من المهابة والوقار ما يثبتها في النفوس، ويجعلها موضع ثقة وأمانة، فيسير الإعلام على منهاج قويم، بعيداً عن مجانبة الحق أو إيثار الباطل.
وإن الآلات التي بين أيدي الإعلاميين اليوم، قد فتحت لهم آفاقاً رحبة، ووضعت في متناولهم وسائل لم تكن تدرك بالأحلام، فصاروا قادرين على صياغة الرسائل بطرق لم يعهدها السابقون، وعلى الوصول إلى جمهور لا يحده الزمان ولا المكان، ولكن مع عظم هذه النعم، يتعاظم الواجب، إذ ليس كل مستحدث محمود، ولا كل مبتكر مبارك، فالعبرة ليست بكثرة الوسائل، بل بحسن استخدامها، والغاية ليست في إرضاء الهوى، بل في نشر الحق وإعلاء الصواب.
فعلى الإعلامي أن يكون كالحكيم، يوازن بين القيم كما يوازن الطبيب بين الأدوية، فلا يرجح قيمة على أخرى إلا بما يصلح الناس وينفعهم، وعليه أن يضبط الرسائل الإعلامية بميزان دقيق، بحيث تتعادل فيها القيم الأخلاقية مع القيم الثقافية، وتتزن فيها المصالح الاجتماعية مع المنافع الاقتصادية. فإذا تحقق هذا التوازن، سارت الرسالة مستقيمة، وأدت غايتها في رقي المجتمعات وتقدمها، وإن ضيعت الأخلاق أو أغفلت، صار الإعلام سبيلاً للفتنة، وأداة لتخريب العقول، فيتحول من منارة هداية إلى نار تحرق ما حولها.