يقول الباحث الأستاذ إسماعيل المقبالي في منشور له في فيسبوك:
«تسمّي عمرك فاشينستا، أو مؤثر اجتماعي، أو انفلونسر، أو مسوق، أو سبال، أو مهرج، أو … أو …
ترى أنت تؤدي وظيفة اقتصادية قديمة ومعروفة: دلّال أو دلّالة.
فقط اختلفت الوسائط لكن الوظيفة واحدة.»
كتابة: ChatGPT
تلقين وتحرير: طالب بن علي العبري
كما هو الحال في العديد من المجتمعات حول العالم، شهدت مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في طرق الترويج والتسويق نتيجة للتطور التكنولوجي والانتشار الواسع للشبكات الاجتماعية، ويتجلى هذا التحول في ظهور المشاهير المروجين أو ما يُعرف بـ"الدلاليل" في العالم الرقمي، الذين يعتمدون على نفوذهم وشعبيتهم في الشبكات الاجتماعية للترويج للمنتجات والخدمات عبر الوسائط الرقمية بخلاف المعهود من تفوقهم عبر المهارات والقدرات الشخصية في أقرانهم الواقعيين في الأسواق التقليدية، ويحمل هذا التطور أبعاداً اقتصادية واجتماعية ممتدة تستحق الدراسة والتحليل.
ويمكن القول بأن المروجين الرقميين قد ساهموا في خلق فرص عمل جديدة وفتح أسواق لم تكن مستغلة بالكامل في السابق، حيث إن الشركات والمؤسسات التي تتبنى استراتيجيات التسويق الرقمي عبر هؤلاء المروجين تجد طرقًا جديدة للوصول إلى جماهيرها المستهدفة بكفاءة أعلى وتكلفة أقل مقارنة بوسائل التسويق التقليدية، وينعكس هذا بدوره إيجابيًا على النمو الاقتصادي ويعزز من دور القطاع الخاص في تطوير الاقتصاد الوطني، كما أسهم هذا التحول في تعزيز التفاعل بين الأفراد والمؤسسات في مجتمع أكثر اتصالًا وتفاعلًا، حيث إن المروجين الرقميين يقدمون نماذج جديدة لم يعهدها المجتمع، وبذلك يؤثر نموذجهم هذا في الاتجاهات والسلوكيات الاستهلاكية، ما يعكس تغيرات اجتماعية عميقة تتعلق بالقيم والمعايير.
ويحمل استخدام الدلاليل في الشبكات الاجتماعية للترويج للمنتجات والخدمات معه عدة أبعاد اقتصادية هامة تؤثر على الشركات، المستهلكين، والاقتصاد بشكل عام، ويتركز في عدة أمور أهمها إمكانية وصول الدلاليل إلى جمهور واسع ومتنوع عبر الشبكات الاجتماعية، ما يسمح للشركات بتوسيع نطاق سوقها المستهدف بكفاءة عالية وتكلفة منخفضة نسبيًا مقارنة بالوسائل التقليدية، كما أنه بفضل قدرتهم على استهداف جماهير محددة والتأثير في قرارات شرائهم، يمكنهم المساهمة في زيادة المبيعات والأرباح للشركات التي يروجون لها، كما يكون استخدامهم أكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنةً بالحملات الإعلانية التقليدية، وذلك لأنه يستفيد من العلاقة الموجودة بالفعل بين المؤثر وجمهوره، وذلك من خلال تقديم طرق جديدة ومبتكرة لعرض المنتجات والخدمات، مما يسهم في تجديد استراتيجيات التسويق وجذب انتباه الجمهور بشكل أفضل، كما أن منهم من يمتلكون الشعبية والمصداقية فيعزز استخدامهم صورة العلامة التجارية ويبني ثقة أكبر مع الجمهور.
كما يسهم استخدام الدلاليل في تعزيز الاقتصاد الرقمي بشكل عام، ما يفتح المجال أمام ظهور فرص عمل جديدة ومبتكرة، كما أن الاعتماد عليهم يزيد من المنافسة بين الشركات في مختلف القطاعات للحصول على خدمات المروجين الأكثر تأثيراً، ما يدفع بالشركات لتحسين جودة منتجاتها وخدماتها.
ورغم فوائده العديدة، إلا أن استخدام الدلاليل في الاقتصاد يتضمن أيضًا عدة آثار سلبية، ويتركز ذلك في تشويه السوق، من خلال خلق تصورات غير واقعية حول قيمة المنتجات أو الخدمات، مما يؤدي إلى قرارات شراء مبنية على معلومات مضللة. كما أن استخدامهم يؤدي إلى زيادة المنافسة غير العادلة، حيث إن الشركات التي لديها ميزانيات تسويقية كبيرة سوف تستحوذ على خدمات الدلاليل الأكثر تأثيراً، مما يخلق منافسة غير عادلة مع الشركات الصغيرة التي لا تستطيع تحمل هذه التكاليف.
ومن الآثار السلبية التي تنتج من استخدام الدلاليل، التركيز على الربح قصير الأمد على حساب استثمارات طويلة الأمد في جودة المنتج أو الابتكار، كما أن الاعتماد المفرط على الدلاليل يؤدي إلى تآكل المصداقية إذا شعر المستهلكون أن التوصيات ليست صادقة أو مدفوعة بالمال فقط، وبحسب الدراسات فإن الحملات التسويقية الناجحة التي يقودها الدلاليل تؤدي إلى تقلبات حادة في الطلب، مما يجعل السوق غير مستقر ويصعب على الشركات التخطيط للمستقبل، وباعتمادها بشكل مفرط على التسويق عبر الدلاليل قد تقلل من تركيزها على الابتكار في منتجاتها أو خدماتها، مما يؤدي إلى انخفاض التنافسية على المدى الطويل، بالإضافة إلى ذلك فإنه وبحسب الخبراء في المجال ليس كل استثمار في التسويق عبر الدلاليل يؤدي إلى عائد مرتفع، مما يمكن أن يؤدي إلى استثمارات تسويقية غير فعّالة وضياع الموارد، كما أن زيادة الاعتماد على المنصات الرقمية يجعل الشركات عرضة لتغييرات السياسات أو الرسوم التي قد تفرضها هذه المنصات.
يحمل استخدام الدلاليل في الشبكات الاجتماعية معه العديد من الأبعاد الاجتماعية التي تؤثر على المجتمعات بطرق مختلفة خاصة من خلال تعزيز الاستهلاكية، حيث يروج الدلاليل بشكل مستمر لمنتجات وخدمات جديدة، مما يمكن أن يؤدي إلى تعزيز السلوكيات الاستهلاكية والرغبة في الشراء المستمر، وبذلك يؤثر على القيم الاجتماعية ويزيد من الضغط المالي على الأفراد، أضف لذلك الوقت الذي يقضيه الأفراد على الشبكات الاجتماعية وتفاعلهم مع الدلاليل قد يؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية بسبب قضاء وقت أقل في التفاعلات الواقعية، بالإضافة إلى أن المحتوى الذي ينشره الدلاليل غالبًا ما يصور نمط حياة مثالي وغير واقعي، يؤدي بدوره إلى زيادة الضغط النفسي لدى الأفراد لمواكبة هذه المعايير، ويزيد من المقارنة الاجتماعية السلبية، كما أن التعرض المستمر لصور وأنماط حياة غير واقعية يمكن أن يؤثر سلبًا على الثقة بالنفس ويؤدي إلى مشاعر النقص وعدم الرضا عن الذات، كما أن الاستخدام المفرط للشبكات الاجتماعية والتفاعل المستمر مع الدلاليل يمكن أن يؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة بالقلق والاكتئاب خاصة بين الشباب.
يؤدي استخدام الدلاليل إلى ظهور قضايا الخصوصية واستغلال البيانات، حيث إنهم يشاركون محتوى يتضمن بيانات شخصية أو يشجعون على مشاركة المعلومات الشخصية، حيث يثير ذلك مخاوف بشأن الخصوصية واستغلال البيانات، وفي بعض الحالات قد يؤدي المحتوى الذي يروج له الدلاليل إلى تقويض القيم الثقافية والاجتماعية المحلية، خاصة إذا كان يعزز قيمًا أو سلوكيات تتعارض مع تلك القيم. كذلك الوقت الذي يقضيه الأفراد في متابعة الدلاليل والتفاعل مع محتواهم يؤثر وبلا شك سلبًا على التحصيل الدراسي والإنتاجية في العمل.
وبحكم استخدامهم المحتوى المرئي بشكل كبير؛ يعزز الدلاليل الثقافة المرئية، من خلال اعتمادهم المتزايد على الصور والفيديوهات في التواصل الاجتماعي، حيث يصبح المظهر الخارجي والصورة الشخصية أموراً ذات أهمية متزايدة، وبذلك يلعبون دوراً في تشكيل هويات متابعيهم من خلال تقديم أنماط حياة معينة كمثال للتقليد.
ومن أجل التخفيف من الآثار السلبية الاجتماعية والاقتصادية لاستخدام الدلاليل، يجب تعزيز الوعي والتعليم، وذلك بتوفير برامج توعية حول كيفية استهلاك المحتوى بشكل نقدي ومسؤول، وتعليم النشء على وجه الخصوص التأثيرات السلبية المحتملة للمقارنة الاجتماعية والاستهلاكية، كما يجب تشجيع إنتاج المحتوى الإيجابي والهادف، وذلك بتحفيز المروجين على نشر محتوى يعزز القيم الإيجابية، مثل الصحة النفسية، التعليم، الثقافة، والمسؤولية الاجتماعية، وتوفير الموارد والدعم للأفراد الذين قد يتأثرون سلبًا بالضغوط الناتجة عن استخدام الشبكات الاجتماعية، مثل الاستشارات النفسية وورش العمل حول إدارة الضغط، بالإضافة إلى تشجيع الأفراد والأسر على تقنين استخدام الشبكات الاجتماعية وتعزيز الأنشطة الواقعية والتفاعلات الاجتماعية خارج الإنترنت.
أما من الناحية الاقتصادية فيجب تطوير إرشادات وقوانين واضحة تنظم الترويج عبر الشبكات الاجتماعية لضمان الشفافية والصدق في الإعلانات، وحماية المستهلكين من الممارسات الضارة، بالإضافة إلى ذلك توفير الموارد والتدريب للشركات الصغيرة والمتوسطة لتحسين استراتيجيات التسويق الرقمي الخاصة بهم، مما يساعدهم على المنافسة بشكل أكثر فعالية، وتوفير التعليم والتدريب للأفراد لتحسين مهاراتهم في النقد الذاتي والفهم العميق للتأثيرات الاقتصادية للاستهلاك، مما يمكنهم من اتخاذ قرارات شراء مستنيرة.
إن تحفيز الشركات على الاستثمار في الابتكار وتحسين جودة المنتجات والخدمات، بدلاً من الاعتماد على التسويق عبر الدلاليل، سوف يقلل من الآثار السلبية التي تنتج عن استخدامهم، ويمكن أن يتم تفعيل ذلك من خلال تطوير سياسات تعزز من شمولية واستدامة الاقتصاد الرقمي، بحيث تشجع على الابتكار والتنافسية العادلة.
ويمكن أن يلعب التنظيم القانوني لنشاط الدلاليل (المؤثرين الرقميين) دورا مهما في التقليل من الآثار السلبية المرتبطة بهذا النوع من التسويق، وذلك من خلال التشريعات التي تطالب الدلاليل بالكشف بوضوح عن العلاقات التجارية أو الإعلانية مع العلامات التجارية تزيد من الشفافية، كما يجب على المؤثرين الإشارة بوضوح عندما يكون المحتوى الذي ينشرونه ترويجيًا، مما يسمح للمستهلكين بتقييم المحتوى بمعرفة كاملة بطبيعته.
كما أن قوانين حماية المستهلك يمكن أن تضمن ألا يتم تضليل المستهلكين بمعلومات خاطئة أو مضللة، وهذا يشمل التأكد من أن المراجعات والتوصيات صادقة وتعكس تجربة حقيقية، والتنظيم يمكن أن يضمن أيضًا المساواة في السوق من خلال منع الدلاليل من استخدام ممارسات تنافسية غير عادلة، بحيث يمكنها أن تحد من قدرة العلامات التجارية الكبرى على استغلال نفوذها بشكل غير متوازن، وبذلك يمكن أن تضع قيودًا على أنواع المحتوى التي يمكن للدلاليل ترويجها، مثل الحد من الإعلان عن المنتجات التي لها تأثيرات سلبية على الصحة العامة أو المجتمع.
إن التنظيم التشريعي والقانوني سوف يسهم في تعزيز المسؤولية لدى الدلاليل، حيث إنه يجعلهم والشركات أكثر مسؤولية عن المحتوى الذي ينشرونه، ويمكن تطبيق غرامات أو عقوبات على الأفعال التي تخرق القواعد، مما يشجع على ممارسات أكثر أخلاقية، كما أن التنظيم سيضمن أن جميع الشركات، بغض النظر عن حجمها، سيكون لديها فرصة عادلة لاستخدام الدلاليل للترويج لمنتجاتها، مما يحافظ على توازن السوق، كذلك التنظيم القانوني سوف يحمي بيانات المستهلكين وينظم كيفية جمع البيانات واستخدامها من قبل الدلاليل والشركات، ويساهم في تعزيز الخصوصية والأمان على الإنترنت.