حين وضع عبد الرحمن بن خلدون مقدمته الشهيرة في القرن الرابع عشر الميلادي، أسس لعلم جديد سمي بـ "علم العمران البشري"، وأراد به دراسة أحوال الاجتماع الإنساني وما يعرض لهذا الاجتماع من ظواهر، فلم يكن العمران في ذهن ابن خلدون مرادفا للبناء أو التشييد؛ فالكلمة عنده تحمل معنى أوسع يشمل كل ما ينتج عن اجتماع البشر وتعاونهم وتفاعلهم.
يبدأ ابن خلدون مقدمته بتقرير أن الاجتماع ضروري للنوع الإنساني، وأن الإنسان مدني (سياسي) بالطبع، ويعني بذلك أنه لا يستطيع أن يعيش منفردا، فهو يحتاج إلى غيره في تحصيل قوته وفي الدفاع عن نفسه، وهذه الحاجة المتبادلة تدفع الناس إلى الاجتماع، والاجتماع ذاته هو العمران.
غير أن العمران ليس حالة ساكنة؛ فهو يتطور ويتحول ويمر بأطوار مختلفة، فقد رصد ابن خلدون هذه الأطوار وميز بين العمران البدوي والعمران الحضري، ورأى أن البداوة أصل والحضارة فرع، وأن المجتمعات تنتقل من الأولى إلى الثانية بحسب سنن يمكن دراستها وفهمها، وتتبدل في هذا الانتقال أنماط المعاش والحكم والعلاقات بين الناس، وتنشأ مؤسسات جديدة وتضمحل أخرى.
ما يهمنا هنا أن العمران عند ابن خلدون يمثل الإطار الجامع الذي تندرج تحته سائر الظواهر الاجتماعية؛ فالدولة ظاهرة عمرانية، والاقتصاد ظاهرة عمرانية, والعلوم والصنائع ظواهر عمرانية، وكذلك الدين والعادات والأعراف. يصبح العمران بهذا المعنى المفهوم المركزي الذي يمكن من خلاله فهم علاقة الثقافة بالدين بالقانون بالعلم بالفن؛ فكلها أبعاد لظاهرة واحدة هي الاجتماع البشري في صيرورته المستمرة.
ثمة تمييز ضروري بين العمران بوصفه واقعا موضوعيا يمكن دراسته، وبين التصورات المختلفة التي يحملها الناس عن هذا العمران، حيث يعيش الناس حياتهم الجماعية ويمارسون أنشطتهم ويتفاعلون فيما بينهم، وهذا هو العمران الفعلي، لكنهم في الوقت نفسه يحملون تصورات عن معنى حياتهم الجماعية وغايتها واتجاهها، وهذه التصورات تؤثر بدورها في العمران الفعلي وتوجهه. الدين يقدم تصورا، والفلسفة تقدم تصورا آخر، والأيديولوجيات الحديثة تقدم تصورات مختلفة، وكل تصور منها يرسم صورة للعمران المنشود ويقترح طريقا للوصول إليه.
الثقافة: ديناميكية العمران
إذا كان العمران هو حالة الاجتماع البشري، فإن الثقافة هي الديناميكية التي تحرك هذا الاجتماع وتنتجه وتعيد إنتاجه باستمرار، ففي الاشتقاق العربي تحمل الثقافة معنى معياريًا واضحًا؛ فالفعل "ثقّف" يفترض وجود اعوجاج يحتاج إلى تقويم، وخامًا يحتاج إلى صقل، وطبيعة تحتاج إلى تهذيب، فالثقافة هنا فعل تهذيبي يأخذ الإنسان من حال إلى حال، من الخام إلى المصقول، من الفج إلى الناضج.
وهذا يختلف عن المفهوم الأنثروبولوجي الذي يصف الثقافة وصفًا محايدًا بوصفها مجموع ما يفعله الناس ويعتقدونه دون حكم قيمي، والتعريف العربي لا يعرف هذا الحياد؛ فالثقافة عنده مشروع له غاية ومقصد، ويترتب على هذا أن الثقافة تحتاج إلى مرجعية تحدد ما هو المستقيم الذي نقوّم عليه وما هو الكمال الذي نهذّب نحوه.
لذا فإن الثقافة فعل قبل أن تكون نتاجاً؛ فهي تشمل ما يفعله الناس حين يعيشون معاً: كيف يتكلمون ويتواصلون، كيف يأكلون ويلبسون، كيف يحتفلون ويحزنون، كيف يربون أطفالهم ويعاملون شيوخهم، كيف يتعاملون مع الغرباء ومع الطبيعة ومع الزمن. وليست هذه الممارسات اليومية إلا الوجه الظاهر للثقافة؛ فهي كذلك، وبشكل أعمق وأهم، مجموعة القيم والتصورات والافتراضات الكامنة التي توجه هذه السلوكيات وتمنحها معناها وغايتها.
وهي كذلك تتجلى في اللغة التي يتكلمها الناس وفي الطريقة التي يستخدمون بها هذه اللغة، في الحكايات التي يروونها والأمثال التي يتداولونها، في الأغاني التي يغنونها والرقصات التي يرقصونها، في العمارة التي يبنونها والأدوات التي يصنعونها، في الطقوس التي يمارسونها والرموز التي يتشاركونها. كل هذه الممارسات تشكل نسيجا متكاملا يميز كل مجتمع عن غيره ويمنحه هويته الخاصة.
غير أن الثقافة ليست كتلة جامدة تنتقل من جيل إلى جيل دون تغيير؛ فهي في حالة تحول مستمر؛ يرث كل جيل ثقافة من سبقه لكنه لا يتلقاها سلبيا، وإنما يعيد تفسيرها وتكييفها مع ظروفه ويضيف إليها ويحذف منها. هذه الديناميكية تجعل الثقافة كائنا حيا يتطور عبر الزمن؛ فثقافة مجتمع ما في قرن تختلف عن ثقافته في قرن آخر، وإن ظلت هناك عناصر ثابتة تصل بين الماضي والحاضر.
تعمل الثقافة على مستويين متداخلين: مستوى ظاهر يشمل الممارسات والسلوكيات القابلة للملاحظة، ومستوى عميق يشمل القيم والتصورات والافتراضات التي تحكم هذه الممارسات. فحين يحبس مال أو عقار على جهة نفع عام لا يباع ولا يُورث، فإننا نرى ترتيباً قانونياً، لكنه يجسد تصوراً عن الملكية والزمن مغايراً للتصور الحديث: فالمال ليس حقاً مطلقاً لصاحبه يتصرف فيه كيف شاء، والمالك يستطيع أن يمد يده إلى ما بعد موته فيوجه منفعة ماله إلى الأبد، فيُخرج الوقف المال من دورة التداول والتوارث فيصير محبوسًا على جهة نفعه لا يملكه أحد من الناس.
بهذا تؤدي الثقافة وظائف عديدة في العمران؛ فهي توفر للناس خريطة ذهنية يفهمون من خلالها عالمهم ويتعاملون معه، وتحدد لهم ما هو طبيعي وما هو غريب وما هو مقبول وما هو مرفوض، وتمنحهم شعورا بالانتماء إلى جماعة تتشارك معهم القيم والرموز ذاتها، وتوفر لهم أنماطا جاهزة للسلوك في المواقف المختلفة فلا يحتاجون إلى اختراع استجابات جديدة في كل موقف، وهذه الوظائف تجعل الثقافة ضرورية لاستمرار العمران وتماسكه.
والثقافة ليست على الدوام قوة توحيد وانسجام؛ ففي داخل كل مجتمع تتعايش ثقافات فرعية قد تتكامل وقد تتصارع: ثقافة النخب تختلف عن ثقافة العامة، وثقافة المدن تختلف عن ثقافة الأرياف، وثقافة الأجيال الجديدة تختلف عن ثقافة الأجيال القديمة. هذه الاختلافات مصدر حيوية وتجدد، ومصدر توتر وصراع، بحسب الطريقة التي يدير بها المجتمع تعدده الثقافي.
الدين: نظرية العمران
يحتل الدين موقعا خاصا في بنية العمران؛ فهو يقدم للناس تصورا شاملا عن الوجود ومعناه وغايته. يجيب الدين عن أسئلة لا تستطيع الثقافة بمفردها الإجابة عنها: من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ وما معنى حياتنا؟ وما الذي يجعل أفعالنا خيرا أو شرا؟ هذه الأسئلة تتجاوز المستوى الثقافي لتلامس المستوى الوجودي، والدين يقدم إجابات عنها تشكل رؤية كلية للعالم.
حين نقول إن الدين نظرية العمران، فإننا نعني أنه يوفر الإطار التفسيري الذي يفهم الناس من خلاله اجتماعهم ويحددون غايته. المجتمع المسلم يفهم عمرانه في ضوء مفاهيم الاستخلاف والأمانة وإعمار الأرض، والمجتمع المسيحي يفهم عمرانه في ضوء مفاهيم الخلاص والمحبة وملكوت الله، والمجتمع البوذي يفهم عمرانه في ضوء مفاهيم التحرر من المعاناة. كل دين يرسم صورة للعمران المنشود ويحدد الطريق إليه.
لا يكتفي الدين بتقديم رؤية نظرية؛ فهو يتغلغل في الثقافة ويشكلها من الداخل، فحين يعتنق مجتمع ما دينا معينا، فإن هذا الدين يؤثر تدريجيا في لغته وفنونه وعاداته وقيمه، فتتشكل ثقافة المجتمع في ضوء رؤيته الدينية، وتصبح الممارسات الثقافية حاملة لمعان دينية، والاحتفال بالمناسبات الدينية يصبح جزءا من الثقافة، والقيم الدينية تتحول إلى أعراف اجتماعية، والرموز الدينية تصبح جزءا من الهوية الثقافية.
غير أن العلاقة بين الدين والثقافة بدورها تؤثر في فهم الدين وتفسيره، حيث يُفهم النص الديني الواحد بطرق مختلفة في سياقات ثقافية مختلفة؛ فالإسلام كما يُعاش في إندونيسيا يختلف عن الإسلام كما يُعاش في المغرب أو في تركيا، رغم أن النص المرجعي واحد، والسياق الثقافي يشكل عدسة يُقرأ من خلالها النص الديني، ويحدد أي جوانب النص تُبرز وأيها تُهمل.
يطرح هذا التداخل إشكالية دقيقة تتعلق بالتمييز بين الجوهر الديني والتشكل الثقافي: ما الذي ينتمي إلى صميم الدين وما الذي ينتمي إلى الثقافة التي تشكل فيها؟ هذا السؤال يثار في كل دين وفي كل عصر، ويختلف الناس في الإجابة عنه. بعضهم يميل إلى توسيع دائرة الجوهر الديني وتضييق دائرة المتغير الثقافي، وبعضهم يفعل العكس، وهذا الاختلاف يفسر كثيرا من الخلافات داخل التقاليد الدينية.
ثمة توتر بنيوي بين الدين والزمن؛ فالدين يحمل دعوى الخلود والثبات، إذ يعتقد أتباعه أن حقائقه صالحة لكل زمان ومكان، بينما الواقع الذي يطبق فيه الدين يتغير باستمرار. كيف تُطبق مبادئ ثابتة في واقع متغير؟ هذا السؤال يشغل الفقهاء والمفكرين الدينيين في كل عصر، ويفرز اتجاهات مختلفة بين من يميل إلى الحرفية ومن يميل إلى المقاصدية ومن يبحث عن طريق وسط.
بهذا يتضح أن الدين والثقافة ليسا عنصرين منفصلين يلتقيان عند حدود، بل هما عنصران متداخلان تتلاشى الحدود بينهما، وكل منهما يحتوي الآخر ويتشكل به. الدين خيط الثقافة ويصبح جزءاً من نسيجها الحي، فتستمد منه روحها واتجاهها. إنهما ينشآن معاً، يسيران معا، ويتأثران ببعضهما تأثراً متبادلاً عميقاً، حتى ليصعب في كثير من الأحيان تحديد أين تنتهي حدود أحدهما وبداية الآخر، وهذا التداخل البنيوي هو ما يمنح كلاً منهما حيويته ويجعل علاقتهما علاقة جدلية دائمة.
القانون: شريعة العمران
ينتقل بنا القانون من مستوى القيم والرؤى إلى مستوى القواعد الملزمة، فحين يستقر في ضمير جماعة ما أن سلوكا معينا خير أو شر، تنشأ الحاجة إلى ترجمة هذا الحكم القيمي إلى قاعدة واضحة تحدد ما يجب فعله وما يجب تجنبه، وتحدد الجزاء المترتب على المخالفة. هذه القواعد هي القانون بمعناه الواسع، سواء كان مكتوبا أو عرفيا، سواء أصدرته الدولة أو استقر بالتواتر.
يمكن أن نفهم القانون بوصفه النص المكتوب للنظرية الدينية والثقافية، أي الصيغة العملية القابلة للتطبيق والقياس، فالقيمة الدينية أو الثقافية تظل عامة ومجردة حتى تتحول إلى قاعدة قانونية تحدد بدقة الحقوق والواجبات والإجراءات. فحين يقرر الدين أن السرقة حرام، يأتي القانون ليحدد ما هي السرقة بالضبط وما شروطها وما عقوبتها وكيف تُثبت.
تتعدد مصادر القانون بتعدد المجتمعات والحقب، ففي بعض المجتمعات يستمد القانون مشروعيته من الدين مباشرة، فتصبح الشريعة الدينية هي القانون أو مصدره الأول، وفي مجتمعات أخرى يستمد القانون مشروعيته من التوافق الاجتماعي أو من إرادة الأمة كما تعبر عنها مؤسساتها التمثيلية، وفي حالات كثيرة يمتزج المصدران فيستند القانون إلى الدين في بعض المجالات وإلى التوافق المدني في مجالات أخرى.
ثمة ملاحظة تستحق التأمل: التشريع الديني ذاته صدر في سياق ثقافي واجتماعي محدد، وخاطب أقوامًا بعينهم في أحوال بعينها، والأحكام الفرعية التي عالجت نوازل تلك المجتمعات حملت بصمة واقعها؛ فالنصوص تحدثت عن الإبل والخيل والنخيل، عن السيد والعبد، عن الدينار والدرهم، عن أعراف كانت سائدة وعلاقات كانت قائمة، وهذا لا ينتقص من التشريع وإنما يصف طبيعته؛ فهو خطاب نزل في التاريخ لا خارجه.
يطرح هذا سؤالاً يشغل الفقهاء منذ القديم: كيف نميز بين الحكم الذي أريد به العموم والدوام، والحكم الذي جاء استجابة لواقعة بعينها؟ وكيف نتعامل مع أحكام بُنيت على أعراف لم تعد قائمة أو على علل لم تعد موجودة؟ هذا التمييز بين الثابت والمتغير، بين المقاصد الكلية والوسائل الجزئية، يمثل جوهر الاجتهاد الفقهي والقانوني عبر العصور.
غير أن هذه الإشكالية تجد حلها حين ندرك طبيعة التشريع ذاته: الشريعة في معظمها نصوص تنظيمية للمعاملات بين الناس، والمعاملات بطبيعتها تتشكل بحسب الواقع الذي تنظمه. حين نظّم الفقه البيوع والإجارات والشراكات والرهون، كان ينظم علاقات قائمة بأدواتها المتاحة، والعبرة فيها بتحقق العدل ومنع الظلم والغرر لا بالصورة التي وردت في النص، والصورة وعاء والمقصد مضمون، والأوعية تتبدل بتبدل الأزمنة والأمكنة ما دام المضمون محفوظًا.
هذا ما فهمه الفقهاء حين قرروا أن العادة محكّمة، وأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وأن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، فالتشريع الذي ينظم معاملات الناس يأخذ بالاعتبار ما تعارفوا عليه وما استقر بينهم، ولذلك يختلف تطبيقه باختلاف الأعراف دون أن يختلف مقصده. الثابت هو العدل والأمانة ورفع الضرر، والمتغير هو الطريقة التي يتحقق بها ذلك في كل بيئة.
ولا يقتصر دور القانون على تقنين ما هو موجود سلفا في الثقافة أو الدين؛ فهو يملك قدرة على التأثير في الثقافة وإعادة تشكيلها، فحين يفرض القانون سلوكا معينا ويستمر في فرضه زمنا طويلا، فإن هذا السلوك يتحول تدريجيا إلى عادة ثم إلى قيمة، وكثير من الممارسات التي نعدها اليوم جزءا من ثقافتنا بدأت قواعد قانونية فُرضت فرضا ثم استُبطنت وصارت جزءا من الوجدان الجمعي.
ينشأ توتر حين يتقدم القانون على الثقافة أو يتخلف عنها، وحين تتطور ثقافة مجتمع ما بينما يبقى قانونه جامدا، يشعر الناس بأن القانون لا يعبر عنهم ولا يناسب حياتهم، فتضعف مشروعيته ويكثر التحايل عليه، وحين يتقدم القانون على الثقافة ويحاول فرض قيم لم تنضج بعد في الوجدان الجمعي، يواجه مقاومة وقد يفشل في تحقيق أهدافه، بذلك فإن التشريع الناجح يراعي هذه المعادلة الدقيقة بين الاستجابة للواقع الثقافي والسعي إلى تطويره.
وتطرح العلاقة بين القانون والدين إشكاليات خاصة؛ فحين يكون الدين مصدر القانون، يُطرح سؤال: من الذي يملك سلطة تفسير النص الديني وتحويله إلى قانون؟ وحين يكون القانون مدنيًا ومستقلاً عن الدين، يُطرح سؤال آخر: كيف يتعامل مع القضايا التي يحمل فيها المواطنون قناعات دينية راسخة؟
تتبدد هذه الإشكالية حين نعود إلى طبيعة التشريع ووظيفته: القانون أداة لتنظيم العلاقات بين الناس وحماية حقوقهم ورفع الظلم عنهم، سواء استمد مشروعيته من نص ديني أو من توافق مدني، والمرجعية الحقيقية للتشريع هي المقاصد الثابتة التي لا تختلف باختلاف المصدر: إقامة العدل وحفظ الأمانات ورفع الضرر وصون الكرامة، وهذه المقاصد يشترك فيها العقل الإنساني السليم والوحي الإلهي، وتلتقي عندها الشرائع الدينية والقوانين المدنية حين تصدق في غايتها.
ما يتغير هو الوسائل والآليات والصور التي تتحقق بها هذه المقاصد؛ فهي تتشكل بحسب البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لكل مجتمع في كل عصر، والسؤال الصحيح ليس: هل مصدر القانون ديني أم مدني؟ وإنما: هل يحقق هذا القانون العدل ويرفع الضرر ويصون الحقوق؟ الإجابة عن هذا السؤال هي معيار الحكم على أي تشريع بصرف النظر عن مصدره.
العلم: أداة العمران
يمكن تقسيم العلم إلى ثلاثة حقول كبرى تغطي مجمل المعرفة الإنسانية: علم الله وعلم الخلق وعلم الاجتماع. هذا التقسيم يضع العلوم الطبيعية والإلهية والإنسانية في مستوى واحد من الأهمية والاستقلالية، ويرفض التراتبية التي تضع أحدها فوق الآخر.
علم الله يبحث في الذات الإلهية والصفات والأسماء والعلاقة بين الخالق والمخلوق؛ وهو يشمل علم الكلام واللاهوت والتصوف النظري والفلسفة الإلهية. هذا العلم يتعامل مع الغيب والمتعالي، ومنهجه يعتمد على النقل والعقل معا، ونتائجه تظل في دائرة الإيمان والاعتقاد أكثر منها في دائرة اليقين التجريبي.
وعلم الخلق يبحث في الطبيعة وقوانينها وظواهرها؛ وهو يشمل الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك وسائر العلوم الطبيعية. منهج هذا العلم تجريبي يعتمد على الملاحظة والقياس والتجربة، ونتائجه قابلة للاختبار والتكرار والتكذيب.
وعلم الاجتماع يبحث في أحوال البشر حين يجتمعون؛ وهو العلم الذي أسسه ابن خلدون باسم علم العمران، حيث يدرس هذا العلم الظواهر الاجتماعية ويبحث عن قوانينها وسننها، فقد رأى ابن خلدون أن للعمران قوانين ثابتة كقوانين الطبيعة، وأن الباحث يستطيع اكتشافها من استقراء التاريخ ودراسة المجتمعات.
ما يميز علم العمران عند ابن خلدون أنه علم واقعي؛ يخبرنا كيف تنشأ المجتمعات وتتطور وتزدهر ثم تنحط وتزول، يبحث في سنن الاجتماع البشري كما يبحث عالم الفيزياء في سنن الطبيعة، دون أن يصدر أحكاما قيمية.
يقدم العلم أدوات لفهم العمران، فيكشف لنا كيف تعمل الأشياء، لا كيف ينبغي أن تعمل، حيث يستطيع أن يخبرنا بالنتائج المتوقعة لسياسة معينة، ولا يستطيع أن يخبرنا هل هذه السياسة مرغوبة أم لا، فالرغبة تأتي من مكان آخر: من القيم الثقافية والدينية والأخلاقية.
ثمة إغراء متكرر في العصر الحديث بجعل العلم بديلا عن الدين أو الفلسفة في توجيه العمران، حيث أن هذا الإغراء يقوم على خلط بين وظيفتين مختلفتين: وظيفة الوصف ووظيفة التوجيه. العلم يصف ويفسر، لا يحدد الغايات، فحين يُسأل العلم أسئلة ليست من اختصاصه، كسؤال معنى الحياة أو الخير الأعلى، فإنه إما أن يعترف بعجزه أو أن يتحول إلى أيديولوجيا تدعي لنفسها ما ليس لها.
ولا تقتصر أداة العلم على الحقول الثلاثة النظرية فحسب، بل تنبثق من تكاملها العلوم التطبيقية، أو ما نعرفه اليوم بالتكنولوجيا، لتصبح الجسر الحي بين المعرفة والعمران الفعلي، فتتشكل هذه العلوم من اندماج ثلاثي عميق: يمدّ علم الخلق القوانين والإمكانيات المادية، ويحدد علم الاجتماع الاحتياجات الحقيقية للمجتمع ومشكلاته المستعصية، بينما يوجه علم الله الغايات الأخلاقية والإنسانية حتى لا تنحرف التكنولوجيا عن خدمة الإنسان إلى استعباده، فالطب تطبيق للبيولوجيا، والطاقة المتجددة هندسة ميكانيكية، وهما نتاج هذا التلاقح الثلاثي الذي يجعل التكنولوجيا أداة حية في بناء العمران.
يفهم الناس التكنولوجيا على وجهين متناقضين: تارة يرونها قوة سحرية محايدة تحلّ كل العلل وتفتح أبواب الجنة الأرضية، وتارة أخرى يخشونها كوحش يقوض الهوية والقيم والعلاقات الإنسانية، والحقيقة أنها ليست محايدة ولا شيطانية في ذاتها؛ إنها مرآة صادقة للعمران الذي أنتجها، تعكس مدى عمق فهمنا للطبيعة، وصدق استجابتنا لحاجات الناس، ونبل التزامنا بالقيم التي توجهها.
وحين يتحقق هذا الاندماج بين العلوم الثلاثة اندماجاً حقيقياً، لا شكلياً، ينفتح فتح إنساني عظيم لم يشهد التاريخ مثله، من الطب الذي يشفي ويطيل العمر بكرامة، إلى الاتصالات التي تجمع البشر في عمران عالمي واحد، إلى التقنيات البيئية التي تحفظ الكوكب للأجيال القادمة، وهذا الفتح يتجاوز الرفاه المادي، إلى الرقي بالإنسان من مجرد كائن يعيش إلى كائن يُعمّر الأرض بوعي ومسؤولية، فيحوّل العمران من حالة بقاء إلى حضارة إنسانية شاملة، بشرط أن يظل العلم خادماً للإنسان لا سيداً عليه.
الفن: تعبير عن العمران
يحتل الفن موقعًا خاصًا في بنية العمران؛ فهو المرآة التي يرى فيها المجتمع ذاته والصوت الذي يعبّر به عن وجدانه. حين يرسم الإنسان أو ينحت أو يغني أو يروي، فإنه يُخرج ما في داخله ويجعله قابلاً للمشاركة، ويحوّل التجربة الفردية إلى تجربة جماعية يتذوقها الآخرون.
الفن تعبير عن العمران بمعنى مزدوج: هو تعبير صادر عن العمران وتعبير كاشف له. يصدر الفن عن حالة اجتماعية معينة ويحمل بصماتها؛ فالشعر الجاهلي يكشف عن قيم مجتمع البادية وأولوياته، والمقامات تكشف عن مجتمع الحواضر الإسلامية وتعقيداته، والرواية الحديثة تكشف عن أزمات الفرد في المجتمع المعاصر. لا يستطيع الفنان أن يفلت من عصره مهما حاول؛ فأدواته ولغته وأسئلته وهمومه كلها وليدة السياق الذي يعيش فيه.
غير أن الفن يملك قدرة على الكشف والنقد والاستشراف لا انعكاسًا سلبيًا للواقع فقط. يرى الفنان ما لا يراه غيره ويقول ما يعجز عنه غيره ويستبق ما لم يأتِ بعد، فكم من شاعر استشعر انهيار حضارة قبل أن تسقط، وكم من روائي رصد تحولاً اجتماعيًا قبل أن يدركه علماء الاجتماع، فالفن منظومة استشعار مبكر تلتقط الظواهر وما خفي منها في جسد المجتمع.
وتتعدد وظائف الفن في العمران؛ فهو يحفظ الذاكرة الجماعية حين يروي الملاحم والسير والحكايات، ويصوغ الهوية حين يبلور الرموز والقيم في مؤسسة المجتمع، ويهذب النفوس حين يرتقي بالذوق ويرقق المشاعر، وينفّس عن التوترات حين يتيح التعبير عما يصعب قوله نثرًا، والمجتمع الذي يضمر فنه يفقد شيئًا من حيويته، والمجتمع الذي يتجاهل فنانيه يفقد مرآته.
ويرتبط الفن بالثقافة ارتباط الفرع بالجذر؛ فالفنان يتشكل في بيئة ثقافية تمنحه لغته ورموزه وأدواته وأسئلته، فحين ينظم الشاعر العربي قصيدته، فإنه يستدعي تراثًا من الأوزان والصور والمعاني تراكم عبر قرون، ويدخل في حوار مع من سبقوه وإن لم يقصد، لذا فإن الثقافة توفر للفنان المادة الخام التي يشتغل عليها والجمهور الذي يتلقى عمله ومعايير الجودة التي يُحكم بها على إنتاجه، ويعيد الفنان تشكيلها ويضيف إليها ويدفعها في اتجاهات جديدة فهو ليس مستهلكًا سلبيًا لثقافته. كل عمل فني أصيل يحرّك الموروث الثقافي ويفتح فيه إمكانات لم تكن ظاهرة، فالمتنبي ورث القصيدة العربية وأورثها مختلفة عما تلقاها، ونجيب محفوظ ورث فن الرواية وطوّعه لبيئة لم تعرفه من قبل، لذلك فإن الفن يحفظ الثقافة حين يجسدها في أعمال باقية، ويجددها حين يمدها بدماء جديدة.
وتتشابك علاقة الفن بالدين تشابكًا عميقًا منذ أقدم العصور؛ فالإنسان حين أراد التعبير عن إحساسه بالمقدس لجأ إلى الفن، فالكهوف الأولى التي رسم فيها الإنسان كانت فضاءات طقسية، والمعابد في كل الحضارات كانت أعظم المنجزات المعمارية، والنصوص الدينية ذاتها حملت أرفع الأساليب الأدبية، فقد منح الفن الدين لغة محسوسة تخاطب الوجدان، ومنح الدين الفن أسئلة كبرى تستفزه وتدفعه إلى التجاوز. كما أنتج التصور الإسلامي للوجود فنونًا تحمل بصماته الخاصة: الخط العربي الذي حوّل كلمات الوحي إلى تشكيلات بصرية، والزخرفة الهندسية التي تجلت فيها فكرة التوحيد والتنزيه، والعمارة التي جسدت العلاقة بين الأرض والسماء، والإنشاد الذي حمل النص الديني على أجنحة الألحان، كل ذلك يخبرنا أن الفنون تعبير أصيل عن الدين بلغة الجمال.
غير أن العلاقة بين الفن والدين لم تخلُ من توتر؛ فالتقاليد الدينية تضع حدودًا لما يجوز تصويره وما لا يجوز، والفنان بطبعه يميل إلى اختبار الحدود، فقد أنتج هذا التوتر مسارات مختلفة: تقاليد فنية التزمت الحدود الدينية وأبدعت ضمنها، وتقاليد أخرى خرجت عليها، وتقاليد ثالثة أعادت تفسير الحدود بطرق تتيح مساحات جديدة للتعبير.
ويبدو الفن والعلم للوهلة الأولى نقيضين: العلم يطلب الموضوعية والفن يحتفي بالذاتية، والعلم يسعى إلى اليقين والفن يسكن في الاحتمال، والعلم يختزل الظاهرة في معادلة والفن يحتفظ بتعقيدها وغموضها. لكن هذا التقابل سطحي؛ فكلاهما طريقة لفهم العالم والتعامل معه، وكلاهما يحتاج إلى الخيال والحدس والمغامرة في المجهول. يقدم العلم للفن أدوات ومواد وموضوعات جديدة؛ فاختراع الأصباغ الزيتية غيّر مسار الرسم، واكتشاف قوانين المنظور غيّر طريقة تمثيل الفضاء، والتقنيات الرقمية فتحت آفاقًا لم تكن متخيلة. ويقدم الفن للعلم أسئلة وتأملات وتحذيرات؛ فكم من رواية استشرفت مآلات التقنية قبل أن تتحقق، وكم من عمل فني نبّه إلى مخاطر لم يرها العلماء مشغولين بمختبراتهم. لذلك يشترك الفن والعلم في أنهما يكشفان عن نظام خفي في الظاهرة؛ فالعالِم يكشف السنن الذي يحكم الظواهر الطبيعية، والفنان يكشف البنية التي تمنح التجربة الإنسانية معناها، وكلاهما يقول إن ما يبدو فوضى يخفي نظامًا، وإن ما يبدو عشوائيًا يخفي دلالة.
التكامل والتوتر
حين تعمل هذه الأبعاد معًا في انسجام، يتحقق تماسك العمران واستقراره، فالثقافة تنتج الممارسات، والدين يمنحها المعنى، والقانون يضبطها، والعلم يفهمها، والفن يعبّر عنها ويجسدها، وكل بُعد يؤدي وظيفته في موقعه، والأبعاد تتكامل في منظومة واحدة، وهذه الحالة المثالية نادرة التحقق الكامل، لكنها تمثل الاتجاه الذي تسعى إليه المجتمعات المتماسكة.
تنشأ الأزمات حين تنفصل هذه الأبعاد وتتباعد مساراتها، فثقافة بلا نظرية دينية أو فلسفية توجهها تصبح ممارسات فارغة من المعنى، طقوساً تؤدى بالعادة دون أن يعرف أحد مقصدها، ونظرية دينية لا تتحول إلى تشريع قانوني تبقى مثالًا معلقًا في الهواء لا يمس الواقع، وقانون لا يستند إلى مرجع ثقافي أو ديني يفقد مشروعيته ويصبح قمعًا خالصًا، وعلم ينفصل عن حاجات المجتمع يصبح ترفًا أكاديميًا لا صلة له بالحياة، وفن ينقطع عن جذوره الثقافية والدينية يتحول إلى ألاعيب شكلية لا تخاطب وجدان أحد، أو يستورد أشكالًا غريبة عن بيئته فلا يجد من يتذوقه.
يكشف الفن عن صحة العمران أو اعتلاله؛ فحين يزدهر الفن الأصيل المعبّر عن روح المجتمع، فإن ذلك علامة على حيوية العمران وتماسكه. وحين يضمر الفن أو يتحول إلى تقليد أجوف أو استيراد سطحي، فإن ذلك مؤشر على خلل في العلاقة بين أبعاد العمران، فالفن بهذا المعنى مقياس حساس لما يجري في أعماق المجتمع.
وتواجه المجتمعات المعاصرة تحديات خاصة في الحفاظ على تكامل هذه الأبعاد؛ فالتخصص المفرط قسّم المعرفة إلى حقول منفصلة يصعب التواصل بينها، والعولمة أدخلت عناصر ثقافية وفنية غريبة تتنافس مع الموروث المحلي، والتحديث السريع خلق فجوة بين الأجيال وبين الريف والمدينة، والعلمانية فصلت الدين عن مجالات واسعة من الحياة العامة، وهذه التحولات ليست شراً محضاً ولا خيراً خالصاً، لكنها تطرح تحديات تتطلب استجابات مدروسة.
إن إشكالية الثبات والتغير تخترق العلاقة بين هذه الأبعاد كلها، فالدين يحمل ثوابت يعتقد أتباعه بصلاحيتها لكل زمان، والثقافة تتحول باستمرار وإن ببطء، والقانون يحتاج مرونة تستجيب للمستجدات، والعلم يتقدم ويراجع مسلماته، والفن يتأرجح بين الحفاظ على التقاليد والتجريب والتجديد. فكيف يحافظ مجتمع ما على هويته مع الانفتاح على التغيير؟ وكيف يميز بين الثابت الذي لا يجوز المساس به والمتغير الذي يجب تطويره؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابات نظرية جاهزة، وإنما تُحل عمليًا عبر التجربة والحوار والتفاوض المستمر بين القوى الاجتماعية المختلفة.
قراءة تكاملية
قدم ابن خلدون قبل سبعة قرون إطارًا نظريًا يستحق الاستعادة والتطوير. مفهوم العمران عنده يتجاوز التجزئة الحديثة التي فصلت بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين والفن، وتعاملت مع كل منها كحقل مستقل له منطقه الخاص، فالعمران يجمع هذه الأبعاد في وحدة عضوية، ويمكّن من رؤية العلاقات بينها.
لا تعني استعادة المفهوم الخلدوني العودة إلى قرون مضت؛ فالعالم تغير تغيرًا هائلًا، والأدوات المفاهيمية التي استخدمها ابن خلدون تحتاج إلى تحديث وتطوير، لكن الروح المنهجية التي حركته، أي السعي إلى فهم الاجتماع البشري في شموليته واكتشاف سننه، تظل ملهمة ومفيدة.
يدعونا هذا الإطار إلى التفكير في الثقافة والدين والقانون والعلم والفن بوصفها أبعادًا لظاهرة واحدة هي العمران البشري. الثقافة فعل العمران، والدين نظريته، والقانون ضابطه، والعلم أداة فهمه، والفن تعبيره ومرآته، وهذه الأبعاد تتداخل وتتشابك في الواقع الحي، والفصل بينها إجراء تحليلي لا ينبغي أن يُنسينا وحدتها الأصلية.
المجتمع الذي يتصالح فيه الدين مع الثقافة، وينعكس كلاهما في قانون عادل، ويُفهمان بعلم رصين، ويُعبَّر عنهما بفن أصيل، هو مجتمع متماسك يملك مقومات الاستمرار، والمجتمع الذي تتنافر فيه هذه الأبعاد، فيقول دينه شيئًا وتفعل ثقافته شيئًا آخر، ويفرض قانونه ما لا يؤمن به أحد، ويدرس علمه ما لا يحتاجه أحد، ويُنتج فنه ما لا يتذوقه أحد، هو مجتمع يعاني من تصدع داخلي يهدد تماسكه.