يشهد العالم تبدلات هائلة في كل فن وحرفة، ولا سيما في علوم الذكاء الاصطناعي التي أخذت ترفل في ثوب من التطور العجيب، حتى غدت تسبق الآمال وتذهل العقول، وها نحن نرى في طليعة هذه العلوم ما يُعرف بالنماذج اللغوية الكبرى، كـ"جي بي تي"، التي أوتيت قدرة على محاكاة كلام البشر حتى تكاد تلتبس على من يقرأها فلا يميز بين ما أملته الآلة وما خطته يد الإنسان الفصيح، لكمال نسجها وحسن سبكها.
ومع تعاظم الشغف بهذه التقنيات، وتزاحم الأيدي عليها، رأينا الشركات التي تسعى في تطويرها تسابق الرياح، وتتعجل في طرحها، متجاوزة بذلك ما تعارف عليه أهل الصنعة من مراحل التدقيق والتمحيص، وهذا التسرع، وإن بدا كأنه ضرورة السوق والتنافس، إلا أنه حمل في طياته تساؤلات عميقة، تستفهم عن تلك الأسباب التي حدت بهم إلى هذا المسلك، وما قد ينشأ عنه من مخاطر وعواقب، ورأيت في هذا المقام أن أكشف اللثام عن خفايا هذه العجلة، ونستقصي ما قد يترتب عليها من أخطار تهدد العمل والمجتمع على السواء.
إنَّ تدريب النماذج اللغوية الكبرى، يتطلب من الموارد ما يعجز عن تصوره العقل، ومن الحسابات ما لا تطيقه إلا قلة قليلة من الشركات التي تملك من القدرات ما يمكنها من الخوض في هذا البحر المتلاطم، فهذه النماذج قائمة على شبكات عصبية غائرة، تنتظم فيها ملايين، بل مليارات المعاملات كالبنيان المرصوص، حتى إذا ما شرعوا في تدريبها، وجدوا الأمر أعقد من أن يحيطوا به في زمن أو جهد يسير، بل هو عمل شاق يستنزف من الساعات الطوال والموارد الكثيرة، ما يثقل الكواهل ويستنفد الطاقات.
وقد جرت عادة أهل الصنعة أن يسيروا على نهج ثابت، لا يعجلون فيه ولا يقصرون؛ يبدأ بالبحث والتقصي، ثم يعرّجون على التطوير، ثم يختبرون، وبعدها يُمعنون في التدقيق، حتى إذا ما استوفوا المراحل، أطلقوا ما صنعته أيديهم. بيد أن النماذج اللغوية، لما ازدادت تعقيدًا وغلظت جوانبها، غدت تلك المراحل أطول وأعقد، حتى ضاقت بها صدور الشركات التي تسابق الزمن في سوق تتبدل أحواله كل يوم وليلة، حيث المنافسة تحتدم والتقنيات تتقافز كالأشباح.
فما كان من تلك الشركات إلا أن التفتت عن المسالك المعتادة، واختصرت من الوقت ما استطاعت، وألقت بالنماذج في السوق على عجل، وهم يرون في هذا التعجل فائدة كبيرة، إذ يختصرون زمن التطوير، وينالون من المستخدمين تغذية راجعة تفتح لهم أبواب التحسين والتطوير التي كانت ستغلق عليهم في مختبراتهم الضيقة، وبهذا النهج، يقللون من كلفة الاستثمار في البنى الأساسية التي لا تفتأ تلتهم الموارد كما تلتهم النار الحطب.
ثم إن هذه العجلة تمنحهم فرصة الابتكار، إذ إن التجارب الواقعية تظهر من التحديات ما تخفيه جدران المختبرات، وتكشف من الفرص ما لم يكن يرى في بيئة الاختبار المحدودة، وعلى الرغم مما يكتنف هذا النهج من مخاطر، فإن الشركات ترى فيه فائدة أعظم من تلك التي تجلبها الطرق التقليدية، لاسيما في سوق يقتات على السرعة، ويتطلب الإبداع.
وفي ميدان الآلات الحديثة لا تكون السرعة في بلوغ الأسواق مجرد حسنة تُثنى بها على الشركات، بل هي الحد الفاصل بين النصر والاندثار، فالشركات التي تتوانى وتتباطأ في إطلاق مبتكراتها، تجد نفسها وقد تخلّف عنها الركب، يسبقها منافسوها إلى اقتطاع نصيب من السوق، ومن هنا كان القفز على بعض المراحل التقليدية هو السبيل الأيسر لتقليص الهوة بين الابتكار وإطلاقه، مما يمد الشركات بقدرة على الصمود في معترك المنافسة، ويجعلها تتبوأ الصدارة.
ثم إنَّ الشركات وهي تسعى في هذا المضمار، تحرص كل الحرص على حفظ أسرارها التقنية، فإن طالت مدة التطوير، كثرت معها مخاطر تسرب المعلومات، سواء على يد موظف راحل أو عبر غارات سيبرانية تستهدف ما خفي من الأسرار، فكان الإسراع في إطلاق النماذج حصنًا لها من مثل هذه الآفات، ودرعًا يحميها من تطفل المنافسين، فتظل متفردة بما لديها من تفوق تقني.
وزيادة على ذلك، فإن هذا التسريع يمنحها القدرة على الاستحواذ على نصيب الأسد في السوق، قبل أن يحين للمنافسين أن يتسللوا إليه، فإذا سبقت الشركات بإطلاق منتجاتها، كسبت ميزة السبق، ووضعت عثرة أمام من يسعى لمزاحمتها، ثم تأتيها البيانات من تجارب الناس، فتتخذ منها وقودًا لتحسين نماذجها، فتزداد قوة في سباق لا يرحم المتخلفين، ويزداد على منافسيها صعوبة اللحاق بها، حتى يظلوا في أثرها متعثرين، لا يقدرون على اللحاق.
ومن المنافع التي تنبثق عن هذا التسارع، أنَّه يُتيح للشركات أن تسوس مواردها بحنكة وذكاء، فتوجهها الوجهة المثلى، بدل أن تستهلك تلك الموارد في مراحل تطوير طويلة الأمد، كأنها تُلقي بها في بحرٍ لا ساحل له، فبإمكان الشركات عوضًا عن ذلك أن تكرّس جهودها وأموالها في تحسين النماذج بعد الإطلاق، مستندة إلى ما يفيض به الواقع من بيانات حيّة، وما يجود به المستخدمون من ردودٍ وتعقيبات، وبهذا يتحول الإنفاق من ضائع في مسالك التطوير إلى استثمار في تحسينٍ مستمر، ترتفع به النماذج درجات بعد أن وُضعت في أيدي المستهلكين، فترى ثمرتها ناضجةً بلا عناء زائد.
ومع تزايد الفهم بقضايا الخصوصية وصيانة أسرار الأفراد، سارعت الحكومات إلى سن قوانين صارمة، كالأسوار المنيعة، تقيد بها سبل جمع البيانات الشخصية وتتحكم في كيفية استخدامها. فجاءت هذه التشريعات لترسم حدودًا واضحة لا تترك للشركات فسحةً في جمع البيانات التي تتطلبها لتدريب نماذجها وتحسينها دون رقابة أو ضوابط.
بذلك نرى الشركات تسابق الزمان، فتسعى لإطلاق منتجاتها بأقصى سرعة قبل أن تدخل هذه التشريعات الصارمة حيز التنفيذ الكامل، أو قبل أن تغلق عليها أبواب المرونة، ويشتد الحصار التشريعي، وبهذا الأسلوب تتمكن من جمع أوفر قدر من بيانات المستخدمين قبل أن تثقلها القيود القانونية وتحد من حركتها، وهذه السرعة تمنحها ميزة تنافسية فريدة، إذ تُتيح لها حصد بيانات واسعة النطاق تعينها على تحسين نماذجها ورفع كفاءتها إلى أعلى مراتب الجودة.
ومع أن هذا المسلك ينطوي على مخاطر قانونية وأخلاقية، فإن بعض الشركات ترى أن المكاسب أعظم من التبعات، فتجد في الالتزام التام بالقوانين عائقًا أمام الابتكار وقيدًا يثقل كاهلها بالتكاليف التشغيلية، خصوصًا إذا كانت هذه التشريعات معقدة المرام، غير واضحة المعالم، تضيق الخناق على الإبداع والمنافسة.
تجاوز التشريعات والقوانين المتعلقة بالخصوصية قد يؤدي إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الأفراد والشركات. ففي حال تم جمع البيانات دون موافقة صريحة أو استخدامها بطرق غير معلنة، فإن ذلك يشكل خرقًا للثقة بين الشركة وعملائها. هذه الانتهاكات قد تترتب عليها تبعات قانونية جسيمة، بما في ذلك غرامات مالية ضخمة وإجراءات قضائية صارمة.
كما أن تجاهل الأمان الرقمي يعرض الشركات لخطر تسريب البيانات أو اختراقها، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر مثل سرقة الهوية والاحتيال وغيرها من الجرائم الإلكترونية.
إنَّ النماذج التي لم تُمحَّص تمحيصًا دقيقًا، ولم تخضع لعمليات تدقيق شاملة، قد تكون مرتعًا للزلل، فتُنتج محتوىً مشوبًا بالتحيز أو مشوهًا بأفكار لا تليق، بل إنها في غفلتها تلك، قد تُسهم في ترسيخ القوالب النمطية السلبية، فتغذي نزعات التمييز ضد طوائف من الناس، مستندةً إلى ما ربيت عليه من بيانات مشوبة بالقصور، وما يزيد الطين بلة أنَّ هذه النماذج قد تنثر معلومات مضللة، أو غير دقيقة، فتؤثر سلبًا على قرارات الأفراد والمؤسسات، فتضلهم عن سواء السبيل، وتوقعهم في حبائل الخطأ.
وقد تجد بعض الأيدي غير النزيهة في هذه النماذج أداة لنشر دعاياتها المغرضة، فتستغلها للتأثير في الرأي العام بطرق لا تمت إلى الأخلاق بصلة، وإن هذه التجاوزات الأخلاقية لتضرب في صميم الثقة في العلم والناس.
وفي خاتمة المطاف، فإن تجاوز بعض المراحل التقليدية قد يغري الشركات بما يعدها من مكاسب عاجلة، إلا أن ذلك لا يخلو من مخاطر جمة وعواقب جسيمة، فالواجب على هذه الشركات أن تسلك مسلكا معتدلا، يجمع بين سرعة الابتكار ومجاراته للتطور المتسارع، وبين الوفاء بما تفرضه عليها المسؤوليات القانونية والأخلاقية، فالتوازن في هذا المسار هو الحصن الذي يحمي من عواقب التسرع المتهور، ويضمن أن يبقى الابتكار مورد نفع لا ميدان تهلكة.
ومن ناحية الأفراد فلا غنى لهم عن التسلح بالحذر واليقظة عند التعامل مع هذه الآلات فإن فهمهم لما قد ينجم عنها من مخاطر، وما قد تجره من آثار سلبية، هو السبيل إلى اتخاذ قرارات رشيدة، تجنبهم الوقوع في شراك الخصوصية المهدورة والأمان المهدد، وإن التعاون المثمر بين الحكومات والناس والشركات هو مفتاح تعزيز الاستخدام الآمن، إذ به تحقق المنافع المرجوة دون أن يضحى بالمبادئ الأخلاقية، أو يغض الطرف عن الواجبات القانونية. فلا صلاح للآلات إن هي أفلتت من عقال الحكمة، ولا بركة في الابتكار إذا جرى على غير بصيرة وميزان.