قراءة في غياب لفظ الوطن عن النص القرآني، وحضور معناه في بنية المفاهيم، وموقع المصلحة الوطنية من دوائر الانتماء
محاور الدرس
يتبيّن القارئ الفرق بين غياب لفظ الوطن في القرآن وحضور معناه في بنية النص عبر مفردات الأرض والديار والبلد والسكن
يقف على نص ابن الصلاح في انتقال العرب من النسبة إلى القبيلة إلى النسبة إلى الأوطان بعد مجيء الإسلام
يدرك استثناء أهل عُمان وأهل اليمن، وحديث النبي "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك"
يرفض استيراد المفاهيم الجاهزة وتكييف القيم الإسلامية وفقها، ويتوقّف عند دعوة طه عبد الرحمن إلى بديل فلسفي إسلامي
ينتقل من تصوّر عاطفي للوطن إلى تصوّر مبني على مسؤولية وعمارة والتزام أخلاقي
يقارن بين الانتماءات الثلاث: الوطنية، والقومية العربية، والإسلامية، وينظر إليها دوائر متكاملة لا متصارعة
يتوقّف عند موضع القضية الفلسطينية في قلب المصلحة الوطنية، لا على هامشها
يرصد نماذج حيّة لرمزية الموقف الشرعي والسياسي، من الشيخ أحمد الخليلي إلى الموقف العُماني الرسمي في الملف الفلسطيني
حدود المفهوم
يحتلّ مفهوم الوطن موضعاً ملتبساً في الفكر المعاصر، يتجاذبه البعد السياسي والوجداني والديني. لا يعرف هذا المفهوم ثباتاً تاريخياً، ويتطوّر بتطوّر الإنسان وفكره، وبتطوّر الدولة والمجتمع، وتمكن مقاربته عبر ثلاث دوائر: لغوية، وتاريخية، وفكرية حضارية.
يقدّم القرآن نفسه للمعنى لا للمعجم، ويفتح أفقاً دلالياً واسعاً تتشكّل فيه المفاهيم عبر السياق والترابط. يعني غياب لفظ الوطن صريحاً أن معناه موزّع في النص، متجلٍّ في مفردات الأرض والديار والبلد والسكن، تشير كلّها إلى علاقة الإنسان بالمكان من حيث الإقامة والطمأنينة والانتماء.
نقلة النسب
ينسب العربي نفسه إلى قبيلته قبل الإسلام، بينما ينسب كثير من جيرانه إلى أرضه. يسجّل ابن الصلاح في مقدّمته ملاحظة بالغة الدلالة: "قد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم مسكن القرى والمدائن، حدث فيما بينهم الانتساب إلى الأوطان". نقرأ في هذا النص أثر الإسلام في ترقية الاجتماع البشري بين المسلمين.
عرف أهل عُمان وأهل اليمن شيئاً من الانتساب إلى الأرض قبل هذا التحوّل الكبير؛ ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك". يضيف ابن الصلاح قاعدةً في الناقلة بين البلدان: يُبدأ بالأول ثم بالثاني، فيُقال: فلان المصري ثمّ الدمشقي.
يكتب الجاحظ رسالةً في "الحنين إلى الأوطان"، ويحشد في ثناياها من النصوص والأشعار والأخبار من ثقافات الشعوب ما يُعلي مكانة الوطن. ينقل عن حكماء الهند قولهم "حرمة بلدك عليك كحرمة والديك"، وينقل عن حكماء غيرهم: "من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة".
حدود الاستيراد
يعجبنا كثيراً أن نستورد مفاهيم جاهزة، فظهرت الاشتراكية فكتبنا "الاشتراكية في الإسلام"، وظهرت الديمقراطية فكتبنا "الديمقراطية في الإسلام"، وهكذا. نبدأ بعدها في تكييف ما عندنا من قيم وأحكام وفق هذه المنظومات المستوردة، وفي ذلك تخلٍّ هادئ عن وظيفة الأصل لصالح الفرع.
إدانة الحضارة الغربية أمر سهل لا يكلّف شيئاً، بينما منافستها وتقديم بديل عنها هو التحدّي الحقيقي. يستحقّ ما يقوم به الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن تحيةً في هذا السياق، إذ يسعى إلى تقديم بديل إسلامي فلسفي متماسك في وجه الفلسفات السائدة، يطرحها بديلاً لا ترجمةً.
بناء الهوية الوطنية في ضوء الفكر الإسلامي ينقل التصوّر من انتماء عاطفي إلى مسؤولية وعمارة والتزام أخلاقي؛ فالانتماء الوجداني وحده لا يكفي.
دوائر الانتماء
يطرح الخطاب المعاصر أحياناً شعاراتٍ من قبيل "فلسطين ليست قضيّتي"، ويصطنع شعوراً بصراع بين الانتماء إلى قضية إسلامية كبرى وبين الخصوصية الوطنية والمصلحة الوطنية. يمكن إقرار هذه الانتماءات دوائر ثلاثاً متكاملة لا متباينة ولا متصارعة.
المصلحة المباشرة للبلد، والسيادة، والخصوصية الثقافية، والحقوق التي تنظّم حياة المواطن
الانتماء إلى الأمة العربية بلغتها وتاريخها وامتدادها الحضاري الذي تربّى عليه الأسلاف
الرابطة العقدية الكبرى مع أمّة النبي صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها
لا تتحدّد مصلحة المجتمع بالمصلحة الآنية وحدها؛ تحتاج إلى فهم أوسع يضع الانتماء تجربةً وجودية، والمصلحةَ اختياراً عملياً. حين يشعر الفرد بانتمائه الحقيقي إلى وطنه، تتحوّل المصلحة عنده من شيء خارجي مفروض إلى امتداد لذاته ومسؤوليته.
الاختبار الصعب
تضع القضية الفلسطينية معادلة الوطنية والقومية والإسلامية أمام اختبار كاشف. تمثّل القضية من الناحية الدينية مقدساً لا نقاش فيه: مسرى الحبيب، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين. وتمثّل من الناحية القومية قصّةَ الصراع العربي الإسرائيلي الذي تربّى عليه الآباء والأجداد. وتحتلّ من الناحية الإنسانية موقعاً يجتمع عليه أحرار العالم.
تربّت أجيال من العرب على الاعتقاد بأن فلسطين بوصلة، وأن أي نصر فيها انتصارٌ للعرب. حفظنا في مناهجنا يوماً ما "فلسطين وداري وأرض انتصاري"، وقصّة خالد والجندي الإسرائيلي. أمّا اليوم فكلٌّ يسأل: ما الذي تبقّى من هذه الهوية في مناهج أولادنا؟
يأتي هنا السؤال الأكبر: كيف نُوفّق بين مصلحتنا الوطنية والتزامنا القومي والديني والإنساني؟ لا تُجاب هذه المعادلة بجمع حسابي ولا بمعادلة رياضية، بل باختيار واعٍ يضع المقدّس في قلب المصلحة الوطنية لا على هامشها؛ فلسطين جزء من المصلحة الوطنية، لا اعتراض عليها.
نماذج حيّة
تُكتب تغريدة قصيرة للشيخ أحمد الخليلي فيتفاعل معها العالم الإسلامي جميعاً، ويتفاعل معها من غير المسلمين كذلك. يبحث الناس عن صوت حرّ، ولا يقبلون تغييب فلسطين من معادلة المصلحة الوطنية. تصعد رمزية الشيخ إلى مقامها فوق كلّ الخلافات المذهبية والتفاصيل التي أشغلتنا زمناً طويلاً عن مصالحنا الحقيقية.
يمنح الموقف الرسمي لوزير الخارجية في الملف الفلسطيني إحساساً بالفخر لكلّ عُماني، حين يلمس وجود من يفكّر في مصلحته الوطنية مع الحفاظ على المقدّسات، ومع الحفاظ على سيادته الوطنية، ومع الحفاظ على مبادئه وقيمه. هنا يتحقّق التميّز، ويتماسك المشروع.
في مواجهة الابتزاز
يختلف الجيل الحالي عمّا سبقه بحاجته إلى المنهج أكثر من حاجته إلى الجواب. لم يعد يُقنعه أن نقول له "افعل كذا" دون أن نُظهر له لماذا يفعل وما عاقبة عدم الفعل. يطلب الأدلّة المنطقية، ويشكّك، ولا يقبل بحكم جاهز مُسقَط من الأعلى.
سأل شاب غربيٌّ أحد المشايخ: لماذا يُحرّم الإسلام العلاقات بالتراضي بين الجنسين؟ فأجابه الشيخ مباشرة باستحضار حديث النبي صلى الله عليه وسلم: أترضاه لأمّك، أترضاه لأختك؟ قال: إذا هي راضية. هنا يتبيّن اختلاف قيميّ جذري لا يحلّه تكرار النصّ دون استحضار سياقه.
علينا أن نناقش مفاهيم العفّة، ومفاهيم الحرّية ذات الالتزام، ومفاهيم الحياء، بدلاً من إعطاء الجواب جامداً ونسيان السياق الذي نحن فيه. يتطلّب ذلك منّا شجاعة الحوار، واستعداداً لأن نستمع إلى الجيل أكثر ممّا نعظه، وأن نكتشف أنه أذكى ممّا نتوقّع.
التحدّي الأكبر
يعود القارئ في ختام الورقة إلى السؤال المركزي: هل نملك القدرة على إنتاج المعرفة؟ لا يكفي أن نستقبل ما يُكتب عنّا في الغرب ثم نجترّه بلغة عربية، ولا أن نُدين الحضارة الغالبة دون أن نقدّم بديلاً. يستدعي بناء الهوية الوطنية في ضوء القرآن التزاماً علمياً متواصلاً لا ترفاً فكرياً عابراً.
نحتاج إلى جبهة داخلية تفهم العقيدة التي تنظر بها إلى الحياة، وأسرة محصّنة فكرياً، وأخلاق ناظمة، وسلطة قادرة على إدارتها؛ وفوق هذا كلّه: قدرة على إنتاج معرفتنا الخاصة.
تبقى دوائر الانتماء الثلاث متكاملة لا متصارعة، ويبقى المقدّس في قلب المصلحة لا على هامشها، ويبقى التجديد في فهم الوطن التزاماً بإعادة قراءة النص القرآني قراءةً منتجةً، لا استجلاباً للمفاهيم الجاهزة.
ما يحمله القارئ
يغيب لفظ الوطن عن النص القرآني، لكن معناه حاضر في مفردات الأرض والديار والبلد والسكن وبنية علاقة الإنسان بالمكان
يرصد ابن الصلاح تحوّل العرب بعد الإسلام من النسبة إلى القبيلة إلى النسبة إلى الأوطان، باستثناء أهل عُمان وأهل اليمن
يحتاج الفكر الإسلامي إلى إنتاج معرفته الخاصة، ورفض تكييف القيم الإسلامية وفق مفاهيم مستوردة كالاشتراكية والديمقراطية
ينقل الفكر القرآني تصوّر الوطن من انتماء عاطفي إلى مسؤولية وعمارة والتزام أخلاقي مستمر
الدوائر الثلاث — الوطنية والقومية والإسلامية — متكاملة، ومن يظنّها متصارعة يقع في فخّ اختيار بعضها على حساب بعض
تقع القضية الفلسطينية في قلب المصلحة الوطنية، ومن يُضحّي بها تحت عنوان المصلحة فإنه يختزلها في الآنيّ المؤقت
تُصنع رمزية الموقف الشرعي والسياسي من تماسك المبدأ، كما في حضور الشيخ أحمد الخليلي والموقف الرسمي العُماني
يحتاج الجيل الحالي إلى منهج حوار لا إلى جواب جاهز، وإلى نقاش القيم في سياقها لا إلى ترديدها خارج سياقها