قراءة تشخيصية في واقع التربية القرآنية في البيت العماني، وتوصيف لأزمة المعنى عند الجيل الحالي
محاور الدراسة
يُفكّك القارئ الفهم المغلوط للقرآن باعتباره وثيقة قانونية، ويتبيّن أن جُلّه تأسيس قيمي لبناء الإنسان
يعي نتائج دراسة ميدانية على 673 ولياً ومربّية في سلطنة عمان، ترصد مصادر التربية الفعلية في البيت العماني
يدرك الأبعاد الأربعة للهشاشة النفسية عند الجيل الحالي: العزلة، وفقدان المعنى، والعجز، واللامعيارية
يتبيّن أن أزمة بناء المعنى تتصدر فقرات استبانات الميول الانتحارية عند الشباب العماني
يستوعب مفهوم الاستخلاف بوصفه مرتكزاً تربوياً، ويعرف أدوات تمثّله للأطفال في البيت
يفهم سيكولوجية الابتلاء وسبب عجز الجيل عن استيعاب المعاناة، وعلاقة ذلك بانتشار المخدرات والإلحاد
يتعرّف على معوقات التحوّل إلى التربية القرآنية وفي مقدّمتها طغيان الأجهزة الذكية والخوارزميات
يطّلع على مقترح مختبر القيم القرآنية، وعلى توصيات لتأهيل الآباء والأمهات قبل الزواج
توصيف الحال
يشيع في أذهان العوام تصوّر عن الاستقامة يجعلها طريقاً مستقيماً لا عوج فيه، يسير فيه المرء من ولادته إلى مماته على خطّ واحد. يغيب عن هذا التصوّر ما قرّره القرآن من طبيعة الإنسان، فكلّ البشر يتعثّرون ويقومون، ويجاهدون ثمّ يتعثّرون ثانية حتى تغادر الروح الجسد.
تبرز في واقع المجتمعات ثلاثة أصناف من الناس في علاقتهم بهذا الطريق؛ يصوّرها الشعر الجاهلي بقوله "رأيت المنايا خبط عشواء"، فينقلبها التوصيف المعاصر إلى: "رأيت الحياة خبط عشواء". يعيش الصنف الأول حياته هكذا بلا وجهة، ويسعى الصنف الثاني إلى النجاة بالحدّ الأدنى من المعرفة الدينية دون سعي إلى تطويرها، ويطلب الصنف الثالث أن يكون فائزاً عند نهاية الطريق.
تصحيح الفهم
يشيع بين كثير من المسلمين، وبين غيرهم كذلك، فهمٌ للقرآن يتعامل معه وثيقةً قانونيةً قوامُها: افعل كذا تدخل الجنة، واجتنب كذا تنج من النار. تتصدّر لغة الترهيب بهذا الفهم المشهد، ويغيب عنه ما قرّره تحليل المحتوى القرآني من حقيقة جوهرية.
حلّل العلماء محتوى القرآن فتبيّن أن الأوامر والنواهي التي تتصدّر ذهن كثير من الناس شكّلت ثمانية في المئة فقط من آياته، وأن اثنين وتسعين في المئة منه جاءت لبناء القيم وصياغة الوعي. تقرأ الآيات هنا إطاراً واقياً يحمي سلوك المسلم وينظّم حياته، لا منظومة عقوبات معلّقة فوق رأسه.
القرآن كتاب تشغيل للإنسان بلغةٍ يفهمها الأطفال: إن أردت أن تُشغّل هذا الكائن الحي بالطريقة الصحيحة ليحيا ويموت وهو ناجٍ، فعليك أن تعرف كيف تُفعّل هذا الكتاب.
شكا النبي صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمئة سنة قومَه إلى ربّه قائلاً: "يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً". يتعدّد الهجر مراتبَ: هجر الإيمان به، وهجر التفكّر والتدبّر، وهجر العمل، وهجر الاحتكام إليه، وهجر التشافي به.
قراءة ميدانية
أجريت استبانة ميدانية تسأل الآباء والأمهات عن المصادر التي يستقون منها أساليب التربية، وضمّت عيّنة من ستمئة وثلاثة وسبعين ولياً ومربّية من مختلف محافظات السلطنة، من مسندم حتى ظفار، وتفاوتت المؤهلات ومدّة الزواج والوظيفة.
| الترتيب | المصدر | الحضور |
|---|---|---|
| الأول | القرآن الكريم والسنة النبوية | ٩٢٪ |
| الثاني | الخبرة الشخصية والمحاولة والخطأ | مرتفع |
| الثالث | الخبرات المتوارثة من الأهل | مرتفع |
| الأخير | الكتب والمؤلّفات العلمية | منخفض جداً |
يطرح هذا الجدول سؤالاً مركزياً: إذا كان اثنان وتسعون في المئة من الأولياء يقرّون بأن القرآن مصدرهم الأول في التربية، ثمّ تحتل الكتب والمؤلّفات المرتبة الأخيرة، فمن أين يستمدّون فهمهم للقرآن؟ يأتي الجواب من مزيج غير منهجي: خطبة جمعة، وما تبقّى في الذاكرة من مادة التربية الإسلامية المدرسية، وأحاديث المجالس والسبلة، والاحتكاك العابر بالمجتمع.
أبعاد الهشاشة
يعاني الجيل الحالي من هشاشة نفسية ممتدّة، تتمظهر في أربعة أبعاد قرأتها الأبحاث العمانية والخليجية. يحضر فيها غياب الحوار داخل البيوت حضوراً لافتاً، فيتغدّى كلّ فرد في وقت مختلف، ويلزم كلٌّ غرفته، ويبقى أقصى ما يفعله الوالد سؤالاً آلياً: هل حلّيت الواجب أم لا.
انحسار التفاعل داخل البيت بين الأجيال، وغياب استثارة العقل والمشاعر لصالح أسئلة نمطية تقنية
يعيش الشاب الحياة كدورة: مدرسة، فجامعة، فوظيفة، فزواج، فموت، دون أن يلمس لها وجهة
يحسّ الشاب أنه لا يملك التأثير في مجريات حياته، فتتراجع إرادته في تغيير أيّ شيء من حوله
تراجع حضور القيم المجتمعية والدينية بوصفها بوصلة ناظمة للسلوك في المواقف الكبرى
يكشف هذا الرقم عن أزمة بناء المعنى في جيل لا يجد سبباً يحيا لأجله؛ يصبح السؤال عن دور القرآن في بناء هذا المعنى سؤالاً استراتيجياً لا تربوياً فحسب.
المرتكز الأول
يسأل المعلّم طلّابه في درس التكاثر: من بين ملايين الحيوانات المنوية، خُصّبت البويضة بهذه الواحدة لتأتي أنت إلى هذه الحياة؛ فهل هذا التكوين البيولوجي المعقّد، ثمّ الحمل، ثمّ النمو، ثمّ الولادة، ثمّ اثنتا عشرة سنة في المدرسة، ثمّ خمس سنوات جامعية، هل يحدث ذلك كلّه على وجه العبثية والصدفة؟
تخيّل أن عندك عمارة، وأنت شخص مشغول، فأعطيت شخصاً تفويضاً كاملاً لإدارتها وإيجاراتها مقابل محاسبته في النهاية. هكذا استخلفنا الله في الأرض: تفويضٌ لإعمارها، ومحاسبةٌ على ما فعلنا، وما لم نفعل، وكيف فعلنا.
يقرّب مفهوم الاستخلاف للطفل بأدوات عملية تنقله من التجريد إلى الممارسة: تُكلّف الطفل بمهام صغرى يومية، فيكون مسؤولاً عن حديقة المنزل يسقيها ويزرعها بصفته خليفة لله في أرضه الصغيرة. يُدمج في العمل التطوعي فيلامس معنى الإعمار. يُربّى على تحمّل المسؤولية حين يُطلب منه أن يرفع الكوب الذي يوقعه بدل أن يتولّى ذلك من حوله.
المرتكز الثاني
يقرأ الجيل الحالي المعاناة قراءة قاصرة، فيتحوّل الفشل في التحصيل، أو الإخفاق في العلاقات، أو المرور بضائقة مالية، إلى تهديد وجودي لا تجد له النفس تفسيراً. ينعكس ذلك على مؤشّرات مجتمعية لافتة: انتشار المخدرات، وميل نحو الإلحاد رصدته الندوة العلمية الأولى للمؤسسة، وتنامي حوادث التحرّش ليس في عُمان وحدها بل على مستوى العالم العربي والإسلامي.
يقول الحقّ سبحانه "وهو معكم أين ما كنتم"، فتحلّ الآية محلّ التفسير عند المؤمن: يشعر بالمعيّة في كلّ تحدٍّ، فلا يصاب بوحشة. يحضر هنا مشهد طفلة تمشي وحدها في عزّ الشمس بين عمّال وافدين، فتسأل عمّا أخرجها من البيت، فتقول: "لا أحد يحبّني، لا أحد يلعب معي"؛ طفلة بريئة تحوّلت إلى فريسة سهلة لأنّ المعنى غاب عن بيتها قبل شارعها.
الحاجز المادّي
يحتلّ صدارة معوّقات التربية القرآنية في البيت العماني طغيانُ الأجهزة الذكية وانجذاب الأبناء إليها انجذاباً يصعب الفكاك منه. تعمل الخوارزميات على إفراز الدوبامين بشكل متواصل عبر لحظات قصيرة متقطّعة، فيعتاد الدماغ على إيقاع سريع لا يحتمل التأمّل.
حين يُسحب الطفل من جهازه ويُجلس على الأرض ليُحفَّظ آية، ينقلب الإيقاع إلى حركة بطيئة، فيستشعر الملل ويتململ، ليس لعجز في الذاكرة بل لإدمان يشبه إدمان المخدرات؛ عقله ما زال عند الجهاز.
لا تُذمّ التكنولوجيا في ذاتها، ولا يُذمّ الذكاء الاصطناعي في ذاته، لكنّ السؤال يتحوّل إلى: كيف يُقنَّن استعمالها في حياة الطفل؟ يمكن توظيف البرامج المحوسبة لتأهيل الآباء والأمهات، وتوزيع حقائب تدريبية رقمية تحوي كيف يتعامل الوالد مع عناد الطفل، وكيف يتصرّف مع سلوك السرقة، وكيف يدير مرحلة المراهقة.
الحل المقترح
تطالب الورقة بإطلاق "مختبر القيم القرآنية" تتبنّاه مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، ويجمع على طاولة واحدة مؤسسات المجتمع المدني والأهلي والخاص والوزارات المعنية، يرسم خريطة تصحيح مسار متكاملة لا تستهدف الجيل وحده بل تستهدف من يربّيه أوّلاً.
تنفّذ وزارة الأوقاف والمؤسسات المعنية برامج متخصّصة للمقبلين على الزواج، ترفق بدليل استرشادي يبقى في البيت مرجعاً عند الحاجة
تُوزَّع على الهواتف فيرجع إليها الوالد في أيّ وقت، تغطّي أشهر تحدّيات التربية من العناد إلى السرقة إلى المراهقة
إعادة النظر في وقت الوحدات الخاصة بمفهوم التربية الجامعي، وتحويله من جدل حول تعريفات الفلاسفة إلى جوهر التربية العملي
توظيف التكنولوجيا حليفاً للتربية القرآنية، وإنتاج محتوى يستلّ القيم من الآيات بأسلوب يجذب الجيل الجديد
ما يأخذه القارئ
يشكّل التأسيس القيمي اثنين وتسعين في المئة من آيات القرآن، بينما لا تتجاوز الأوامر والنواهي ثمانية في المئة منه
يعتمد اثنان وتسعون في المئة من الأولياء العمانيين على القرآن مصدراً للتربية، بينما تحتل الكتب العلمية المرتبة الأخيرة
تتجلّى الهشاشة النفسية في أربعة أبعاد: العزلة، وفقدان المعنى، والعجز، واللامعيارية، وتأتي على رأسها أزمة المعنى
يربط مفهوم الاستخلاف الطفلَ بغاية وجوده، وينقله من تلقّي الخدمة إلى تحمّل المسؤولية حين يعي أنه خليفة في حديقته قبل أرضه
تستقيم علاقة الجيل بالابتلاء حين يفهم المعاناة في ضوء معيّة الله له، فيتوقّف عن تفسير الإخفاق تفسيراً وجودياً مهدّداً
تتصدّر الخوارزميات معوّقات التربية القرآنية، وتتحوّل إلى إدمان يشبه إدمان المخدرات حين يخرج منها الطفل إلى جلسة تحفيظ
يبدأ إصلاح الجيل بإصلاح من يربّيه، ولا ينفع مطالبة الوالدين بتربية قرآنية وهما لا يمتلكان أدواتها
يحتاج الواقع إلى مختبر قيم قرآنية يجمع المؤسسات على طاولة واحدة، ويوظّف التكنولوجيا حليفاً للتربية لا عدوّاً لها