ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الخامسة

مقاصد الشريعة في قصص القرآن

الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي

قراءةٌ في حفظ النفس والنسل من خلال قصص الأنبياء والأتقياء، ومقابلةٌ بين منهج القرآن في صون الإنسان وإبادة الشعوب في الكتب الأخرى.

ما يُقدّمه هذا الدرس

١يُبيّن أن قصص القرآن وعاءٌ للهدايات والقواعد والمقاصد في آنٍ واحد.
٢يُقارن بين حفظ النفس في القرآن وإبادة الشعوب في النصوص الأخرى.
٣يستعرض نماذج الأشقياء من ابن آدم إلى فرعون وبني إسرائيل.
٤يُقدّم نماذج الأتقياء في حماية النفس: ابن آدم التقي وامرأة فرعون.
٥يشرح مفهوم صناعة الحياة لا صناعة الموت من قصة داود عليه السلام.
٦يُحلّل حفظ النسل في قصص يوسف ومريم ولوط عليهم السلام.
٧يكشف دلالات التراكيب اللغوية في قصص العتاة: "تقاسموا بالله".
٨يستخرج منهج يوسف في التخطيط السليم والتنفيذ الأمين.
١

البنية العامة

القصص وعاء الهدايات والمقاصد

يشتمل القرآن على كل جوانب الهداية. وتسميته فرقاناً أو هدىً أو بيّناتٍ — كلها تتجلّى في حكَمه وأحكامه، وتتجلّى في قصصه وأخباره، بل تتجلّى في كل كلمة من كلماته. فليس غريباً أن تكون قصص القرآن مشتملةً على الهداية والبشرى والإنذار والبيّنات، وكلها في الوقت ذاته تُحقّق مقاصد القرآن الكريم.

كل قصة من تلك القصص تكمل جانباً من الجوانب، وتُعطي ضوءاً من الأضواء في زاوية من الزوايا. تتناغم مقاصد الآية مع مقاصد سورتها، ومع مقاصد القرآن عموماً، ومع مكمّلات نفس المقصد في جوانب أخرى.

تُقدَّر قصص القرآن بثلث القرآن وفق تقديرات بعض أهل العلم. وهي وعاءٌ للهدايات والقواعد الأصولية، ومجالٌ للتشريع، ووسيلةٌ لتحقيق المناطق. غاياتها واضحة في العبرة والعظة. وقد اشتملت على قصص الأنبياء والأتقياء، وقصص الجنّ والإنس والملائكة، وحتى قصص الحيوانات، وكلها تتناغم في توصيل فكرتها.

٢

المقابلة الأولى

القرآن ونظرته إلى النفس مقابل نصوص الإبادة

إذا نظرنا نظرةً مقارنةً يسيرةً بين حفظ النفس في القرآن العظيم، وبين النفس في ما يُسمَّى بالكتاب المقدّس، وجدنا تبايناً عظيماً عجيباً. فعندهم بقرُ بطون الحوامل، وقتل الأنفس، واستباع، وصور الإبادة التي بدأت هناك وهي تُمهّد لواقع اليوم.

انعكاس النصوص في الواقع

ما نُشاهده اليوم قد حكاه القرآن عن بعض الأمم، وتجلّى واقعاً ملموساً عند بني إسرائيل في قصصهم وأخبارهم. فنحن أمام مفارقة نصٍّ يحمي النفس، ونصٍّ يُبيح إفناءها.

٣

الصورة القاتمة

الأشقياء الذين داسوا حفظ النفس

لا يُقيم الأشقياء في كل زمان ومكان وزناً للنفس الإنسانية. ولهذا توقّعت الملائكة أن يقتل بنو آدم بعضهم بعضاً: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ». وقد أصابوا بعض الحقيقة، فما مضت فترة حتى قتل ابن آدم الشقيُّ ابن آدم التقيَّ، وكان قتلاً مع سابق إصرار وترصّد: «لَأَقْتُلَنَّكَ» — بتوكيدات لا تحتمل تردّداً.

النموذج صورة الاعتداء على النفس
قابيل أول قاتل، قتل أخاه بعد تأكيد نيّته: «لأقتلنّك»، مع سابق إصرار وترصّد.
قوم عاد «وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ» — بَطْشٌ جبّار دون موازين.
قوم ثمود «تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ» — حتى يكون القتل "شرعياً" عندهم، أقسموا بالله العظيم. والصيغة على وزن "تفاعل" تدلّ على التشارك بين الأطراف.
فرعون وآله نظام الإبادة وجزّ رؤوس الشرّ في مهدها: يُذبّحون ويقتلون أطفال بني إسرائيل.
بنو إسرائيل انعكست فيهم الفرعونية الطاغية. قتلوا الأنبياء وكثيراً من الصالحين، وأوشكوا أن يقتلوا هارون عليه السلام، وفاخروا بأنهم قتلوا عيسى.
٤

الصورة المشرقة

الأتقياء حُمَاة النفس

تُقابل الصورة القاتمة صورةٌ مشرقة في قصص القرآن، تضرب نماذج في حفظ النفس وصونها من الهلاك. يكشف القرآن عن مسالك حكيمة اتّخذها الأتقياء لحماية الأرواح حتى في أصعب الظروف.

ابن آدم التقي

رفض قتل أخيه ولو دُفع إليه: «مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ».

امرأة فرعون

قالت: «لَا تَقْتُلُوهُ» وحَمَت نفسَ موسى عليه السلام. نموذجٌ للإنقاذ من داخل قصر الطاغية.

أمّ موسى

سعت في حفظ نفس ولدها، واتّخذت وسائل غير قياسية لحمايته.

أخت موسى

كانت حكيمة أيضاً، وعرّضت نفسها لشيء من الخطر في حماية أخيها.

لوط عليه السلام

خاض تحدّياً صارخاً مع قومه: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» — بضمير يحتمل قومَه وضيفَه معاً.

يوسف عليه السلام

مثالٌ للعفة والطهارة، تحمّل السجن لطهارته في وجه كيد امرأة العزيز وبقية النسوة.

٥

مقصد جوهري

صناعة الحياة لا صناعة الموت

ذكر القرآن صناعة داود عليه السلام وذكّرنا بأمرٍ مهم في هذه الصناعة. كان داود مقاتلاً وواجه التحديات وقاتل جالوت، وقد ألان الله له الحديد. فمن الطبيعي أن يُعدّ سلاحاً للحرب، لكن القرآن ركّز على "الدروع السابغات": على صناعة الحياة، لا على صناعة الموت، مع أن الصناعة الأخرى لا بدّ منها.

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ

سورة الأنبياء — الآية ٨٠

بنى ذو القرنين الردم لحماية مجتمعٍ بأسره. واتُّخذت الوسائل المتعددة لمعرفة القاتل وحماية المجتمع منه. وجاء قتل أئمة الكفر بوصفه شرطاً لحياة المجتمع: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ».

قاعدة حفظ النفس بالقصاص

«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ». فقتلُ أئمة الكفر يُخلّص مجتمعَ الكفر من قتل بقية أعضائه، ويُخلّص مجتمعَ الإسلام أيضاً من قتله. ولهذا قتل داود عليه السلام جالوتَ تحديداً ليحسم بذلك المعركة.

٦

حفظ النسل

بين قوم لوط والأنبياء

جاءت الشرائع حافظةً لنسل الإنسان. وحفظ النسل شاملٌ لكل جوانبه، ومنها حفظ مقاصده الكلية: حفظ دينه ونفسه ونسله وعقله وماله. وذلك ظاهرٌ في قصص القرآن من الطرفين: أشقياء كانوا سبباً لهلاك ذرياتهم، وأتقياء حموا النسل وأصّلوا الطهارة.

الأشقياء وهدم النسل
  • فرعون: استحيا نساء بني إسرائيل لغاية دنيئة معلومة
  • قوم لوط: أحطّ الأمم خلقاً، وانحطاطهم علنيٌّ في نواديهم
  • بنو إسرائيل: قتلوا أطفال فرعون وأوشكوا أن يقتلوا هارون
  • قطّاع الطرق: منعوا لوطاً من إضافة الضيف أو حمايته
الأتقياء وحماية النسل
  • الأنبياء: عناية بالأُسَر والزواج والآباء والأبناء
  • يوسف: طهارة وعفة في وجه كيد النسوة
  • مريم: استعاذت بالله من الداخل عليها
  • لوط: أوجد البدائل وسعى لتزويج قومه

دلالة لغوية في قوم لوط

كانوا لا يُخفون الأمر؛ فنواديهم مليئة بالفجور. قالوا للوط: «وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ» — بتوكيد: "إنّك"، "لتعلم". أنت فاهم، ونحن فاهمون ماذا نريد. لا يُقيمون وزناً لخلقٍ ولا دين.

٧

نماذج الكلّيات

التربية والستر والحياء

يُقدّم القرآن نماذجَ عميقة للتربية الصالحة، وإشراك الأولاد في الطاعات، والعناية بحماية الأبدان والأعراض معاً. هذا جليٌّ في إبراهيم ويعقوب عليهما السلام في العناية بذرياتهم، وجليٌّ في ستر آدم وزوجه: «طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ» حين بدت لهما سوءاتهما.

الحياء في قصة ابنتَي شيخ مدين

جاء القرآن بمشهد إحدى ابنتَي شعيب عليه السلام وهي تأتي موسى: «تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ». صفةٌ واحدة تختصر بنية كاملة من الأدب العائلي والاحتراز من الفتنة والثقة بأبٍ صالح. في المقابل، كيد امرأة العزيز تكشف أن العفاف ليس مرتبطاً بالمؤسسة، بل بالقلب المتّصل بالله.

٨

قصة يوسف

التخطيط السليم والتنفيذ الأمين

تُمثّل قصة يوسف عليه السلام نموذجاً عالياً في الإدارة وتحمّل الأمانة، تجتمع فيها ثنائية التخطيط والتنفيذ. قال: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ». علم يوسف أنه أمام تحدٍّ بالغ يحتاج إلى تخطيط دقيق. بدأه قبل أن يخرج من السجن، فأعطى الملكَ ومن معه خطةَ خمسة عشر عاماً جاهزة، لا مبنيّةً فقط على تعبير الرؤيا، بل أضاف إليها جملةً من المعطيات.

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

سورة يوسف — الآية ٤٧

كل كلمة في هذه الآية لها دلالتها العظيمة: "تزرعون" — تأخذون بأسباب الرزق. "دأباً" — استمراراً بلا انقطاع. "فذروه في سنبله" — التخزين على الهيئة الأمثل علمياً. "إلا قليلاً مما تأكلون" — إدارة الاستهلاك. هذا التنظير الدقيق الجميل المفيد، لو وقع في أيدٍ غير أمينة أو غير مقتنعة تماماً بخطة المحنة القادمة، كيف سيُنفَّذ؟

ثنائية النظرية والتطبيق

كان يوسف عليه السلام مُنظِّراً مخطّطاً، وكان منفّذاً في آنٍ واحد. لو قلّبتَ المجتمع كله ظهراً لبطن، لن تجد أحداً منهم قادراً على إدارة موارد خزائن الأرض لهذه المحنة. وضعٌ استثنائي يحتاج إلى تخطيط استثنائي وإلى مهارة تطبيقٍ استثنائية، فحمل الأمانة بجدية.

كانت النتيجة بعد التخطيط السليم والتنفيذ الأمين أن قضى المجتمع سبع سنين عجاف، لا للموارد لأهل مصر فقط، بل كان يأتي البدو من المناطق الأخرى ليأخذوا ميرتهم وغذاءهم من مصر. «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

خلاصة المقاصد في قصص القرآن

١

قصص القرآن وعاء للهدايات والمقاصد، وتُشكّل نحو ثلث القرآن الكريم.

٢

قابَلَ القرآن بين الأشقياء الذين داسوا النفس والنسل وبين الأتقياء الذين حموهما.

٣

نماذج الأشقياء: قابيل، عاد، ثمود (تقاسموا بالله)، فرعون، بنو إسرائيل.

٤

نماذج الأتقياء: ابن آدم التقي، امرأة فرعون، أم موسى وأخته، لوط، يوسف.

٥

ركّز القرآن على صناعة الحياة في قصة داود (الدروع السابغات) لا على صناعة الموت.

٦

«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ» — قاعدة قتل أئمة الكفر لصون المجتمع من الإبادة.

٧

حفظ النسل يشمل الدين والنفس والعقل والمال، وله ضدٌّ في شذوذ قوم لوط وسلوك فرعون.

٨

قصة يوسف: نموذج التخطيط السليم مع التنفيذ الأمين، وهي مفتاح إدارة الأزمات.