حادثة الجاليري
في جولة في ديربان، دخلنا جاليري الفنون الحديثة. وقف المسيري أمام لوحة كبيرة، فقال لي: انظر إلى هذه اللوحة. ثم فرّج عليَّ بعد محاولتي تفسيرَها وقال: "يا وضاح، ذوقُك زفت". فمن يومها تعلّمتُ أن لا بدّ من البحث في نظرية المعرفة.
ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الرابعة
الأستاذ وضاح خنفر
قراءة نقدية لهرم الاستراتيجية الغربية المقصوص، وتأصيلٌ لنظرية الحق والميزان في الحكم وتداول السلطة والمال.
السيرة الذاتية
درستُ الهندسة الميكانيكية في الجامعة الأردنية، ثم شعرتُ أنها بعيدة عن روح ما أريد، فالتحقتُ بكلية الفلسفة. في مرحلة الدراسات العليا كان موضوع البحث عن الفضيل بن عياض، فدخلت في مراحل التصوف الأولى. ثم ذهبتُ إلى جنوب أفريقيا لإكمال الدراسات العليا في العلاقات الدولية، واشتغلتُ على نظرية الواقعية لهنري مورغانثاو.
استقرّ في الذهن أن الهندسة تتعامل مع الطبيعة والقوانين والرياضيات، والتصوف يتعامل مع النفس والروح، والعلاقات الدولية تتعامل مع المصلحة. كل حقل قائم بذاته، وماشٍ في أمور كلٌّ له خصوصيته الخاصة.
لحظة الصحوة
جاءت لحظة الصحوة على يد الدكتور عبد الوهاب المسيري في زيارته لجنوب أفريقيا. أثناء عشرة أيام من الصحبة، كان يُردّد أن النموذج الإدراكي المعرفي له قواعد وأصول في نظرية المعرفة، ترتقي فوق مخرجاتها. لا بد من خيط ناظم يفسّر، ومن شيء أعلى بكثير من المخرجات.
في جولة في ديربان، دخلنا جاليري الفنون الحديثة. وقف المسيري أمام لوحة كبيرة، فقال لي: انظر إلى هذه اللوحة. ثم فرّج عليَّ بعد محاولتي تفسيرَها وقال: "يا وضاح، ذوقُك زفت". فمن يومها تعلّمتُ أن لا بدّ من البحث في نظرية المعرفة.
قادت هذه الرحلة إلى الوصول إلى القرآن الكريم، ورؤية حقيقة أن ما احتواه من آيات الله المبثوثة في الوجود المادي، وآياته المبثوثة في النفس، وآياته التي تُعلّمنا في حياتنا، هو في الحقيقة "نظرية كل شيء" التي كان يبحث عنها آينشتاين. والله تعالى أعلم.
نقد البنية
بحثتُ نظرية الاستراتيجية في الثقافة الغربية، فوجدتُها — كسائر العلوم هناك — هرماً مقصوصاً. تبدأ بتحديد المصلحة دون الغاية. فأضفتُ إليها بُعدَين: ما فوق المصلحة السنن، والأعلى هو الحق. تتجلّى الغاية العليا في الحق، ثم الحق في عالم السياسة والاستراتيجية يتمّ من خلال السنن.
الغاية العليا
قوانين الله في المجتمعات والتاريخ
ما تتعامل معه الاستراتيجية الغربية وحدها
لا تعرف الاستراتيجية الغربية هذه النظرية. السنن بالنسبة لها ليست مسألة مهمة. «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ» — هذا النص بالنسبة للواقعية الغربية ليس قضية مهمة.
أزمة البنية الغربية
قامت الحضارات جميعاً قبل الغربية على اعتبار الميزان النمط الطبيعي المعتاد في الحياة. تقصّيتُ ذلك في الحضارة الصينية قبل خمسة آلاف سنة التي كانت تؤمن بالين واليانغ، ومروراً بالحضارات الأخرى، وصولاً إلى الحضارة الغربية الحديثة التي استندت إلى الرومانية القديمة. والرومان كان عندهم المشكلة نفسها: انتفى الميزان وأصبحت القوة هي المركز.
جاء الفتح فأزال عوائق مركزية السلطة والمال، بينما الاستعمار السابق واللاحق — أيام الروم في الشام والفرس في العراق، أو الاستعمار الغربي الحديث — مدرسة واحدة: مركزية السلطة والمال في وجه الحرية. فجاء الإسلام فأعطى الحرية، وجعل السلطة والمال ملكاً مشاعاً بين الناس.
مفهومان متقابلان
تأمّل في كلمة "The Great" في الثقافة الغربية: الإسكندر المقدوني يُسمّى العظيم، ثم شارلمان العظيم، ونابليون العظيم. كل كلمة "Great" في الثقافة الغربية تؤول إلى رجل قائد أمسك بمركز السلطة والمال بغض النظر عن الغاية. قيصرُ روما الذي قتل مليونَي إنسان في ذلك الوقت يُذكر على أنه "Great" عظيم. فالعظمة كانت في النجاح بالإمساك بزمام السلطة ومركزة الثروة، بغض النظر عن التكلفة.
النجاح في الحصول على العائد المادي المباشر، والإمساك بزمام السلطة ومركزة الثروة، بغض النظر عن التكلفة البشرية والأخلاقية والمآل.
تحصيل ما يُصلح الناس والمجتمع والإنسان في الحال، وما يعود على العامل في المآل في الآخرة. ليس النجاح المادي بالضرورة فلاحاً.
الإنجاز أم الانتحار؟
لو جاء مخلوقٌ من المريخ ونظر إلى الحضارة الإنسانية، واكتشف أنّنا بعد نظرية التقدم العظيمة في المئتَي سنة الماضية استطعنا الوصولَ إلى سلاحٍ نستطيع به تدمير الكوكب عدة مرات، واكتشف كذلك أن طبقة الأوزون قد اخترقت، وأن الحرارة في الأرض قد ارتفعت، وأننا على وشك تدمير الكوكب — هل يُسمّي ذلك إنجازاً أم انتحاراً؟
لأن الإنسان الحديث أصبح مرجعاً لذاته. تجلّى ذلك في السياسة كما تجلّى في الصناعة والمجتمع وكل شيء آخر. من هنا نعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونعود إلى القرآن. ويحتاج مفكرونا وعلماؤنا إلى إعادة تفعيل هذه المفاهيم وإحياء موضوعها.
تمييز القرار السياسي
كل مصلحةٍ مآلاتها لا تؤدي إلى ارتقاء في المجتمع وفقاً للمعايير الأخلاقية — فهي "راهنية انتهازية". الراهنية بمعنى أنك في الوقت الراهن ترى شيئاً تنتهزه، لكنه لا يؤدي بعد ذلك إلى خير، بل بالعكس يؤدي إلى مفسدة.
وقّعه النبي صلى الله عليه وسلم على موازين قوة في تلك اللحظة، لكنه كان واقعية مقاصدية. كانت تؤول إلى ما أراده من انفتاح على القبائل الأخرى والاعتراف بالطرف الإسلامي كطرف أساسي، مما أدى بعد ذلك إلى فتح مكة. غاية محسوبة المآل.
مثالٌ على الراهنية الانتهازية. راهنية لها علاقة بلحظة، لا تؤول إلا إلى شرٍّ لاحق. وكذلك صلح الرملة عند صلاح الدين — راهنية انتهازية لا تُبنى على موازين مقاصدية.
مطلوبٌ من المسؤول السياسي أو الاستراتيجي أن يوضح لقومه ما الذي يريده، ولماذا اتخذ هذا القرار، وهل له مآلات إيجابية ترتقي بمصلحة الأمة. أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم مدرسةَ الشورى. ما كانت السياسة أسراراً ولا كهنوتاً، ولا معلومات مقتصرة على اثنين يتخذان القرارات كما يشاءان.
إعادة التوضيع
تتطلّب الضرورات الكبرى الخمس إعادة توضيع في الواقع المعاصر، كي تناسب ما وصلنا إليه في هذه اللحظة من التاريخ. فالمعاني في تراثنا موجودة والأفكار موجودة، لكن نحتاج إلى تقريبها إلى الواقع بإعادة موضوعها.
إنجاز منظومة مالية تُحرّرنا من الارتهان للمنظومة المالية الغربية. هذا حفظٌ للمال في صورته المعاصرة.
امتلاك منظومة دفاعية إسلامية، بدل استجلاب جيوش أمريكا إلى دولنا فترهن قرارنا. هذا حفظٌ للنفس في صيغته اليوم.
تحصين الأجيال برؤية حضارية جديدة تغنيهم عن الارتماء في أحضان الحداثة الغربية الفاجرة.
النموذج المعرفي له خيط ناظم سابق علوي، لا يُفهم الفكر إلا بالرجوع إليه.
القرآن يُمثّل "نظرية كل شيء" التي بحث عنها آينشتاين في الفيزياء.
هرم الاستراتيجية الصحيح: الحق غايةً، ثم السنن وسيلةً، ثم المصلحة مجالاً.
الحضارة الغربية قائمة على ثنائية مركزية السلطة والمال، والإسلام فكّ هذه المركزية.
الفرق بين العظمة (The Great) بوصفها نجاحاً بأي ثمن، والفلاح بوصفه صلاحاً حالاً ومآلاً.
القيمة انفكّت عن الخلق في الحضارة الغربية، فأنتجت سلاحاً قادراً على تدمير الكوكب.
الفرق بين الواقعية المقاصدية (كصلح الحديبية) والراهنية الانتهازية (كالاتفاقات المعاصرة).
الضرورات الخمس تحتاج إعادة توضيع: حفظ المال بمنظومة مالية مستقلة، والنفس بدفاع ذاتي، والدين برؤية حضارية جديدة.