ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الرابعة

نظرية الاستراتيجية والسياسة في القرآن

الأستاذ وضاح خنفر

قراءة نقدية لهرم الاستراتيجية الغربية المقصوص، وتأصيلٌ لنظرية الحق والميزان في الحكم وتداول السلطة والمال.

ما يُقدّمه هذا الدرس

١يستعرض رحلة المتحدث من الهندسة إلى التصوف إلى العلاقات الدولية والنموذج الإدراكي.
٢يُبيّن فكرة النموذج المعرفي عند عبد الوهاب المسيري والخيط الناظم.
٣يُقدّم القرآن بوصفه "نظرية كل شيء" التي بحث عنها آينشتاين في الفيزياء.
٤يُصحّح هرم الاستراتيجية الغربي المقصوص بإضافة السنن والحق.
٥يكشف ثنائية السلطة والمال في الحضارة الغربية وعلاج الإسلام لها.
٦يُفرّق بين مفهوم "العظمة" الغربي ومفهوم "الفلاح" في القرآن.
٧يُفصّل الفرق بين سياسة المبدأ والراهنية الانتهازية في القرار.
٨يُعيد توضيع الضرورات الكبرى الخمس في سياق معاصر.
١

السيرة الذاتية

من الهندسة إلى البحث عن الخيط الناظم

درستُ الهندسة الميكانيكية في الجامعة الأردنية، ثم شعرتُ أنها بعيدة عن روح ما أريد، فالتحقتُ بكلية الفلسفة. في مرحلة الدراسات العليا كان موضوع البحث عن الفضيل بن عياض، فدخلت في مراحل التصوف الأولى. ثم ذهبتُ إلى جنوب أفريقيا لإكمال الدراسات العليا في العلاقات الدولية، واشتغلتُ على نظرية الواقعية لهنري مورغانثاو.

ثلاث دوائر متوازية

استقرّ في الذهن أن الهندسة تتعامل مع الطبيعة والقوانين والرياضيات، والتصوف يتعامل مع النفس والروح، والعلاقات الدولية تتعامل مع المصلحة. كل حقل قائم بذاته، وماشٍ في أمور كلٌّ له خصوصيته الخاصة.

٢

لحظة الصحوة

النموذج الإدراكي عند المسيري

جاءت لحظة الصحوة على يد الدكتور عبد الوهاب المسيري في زيارته لجنوب أفريقيا. أثناء عشرة أيام من الصحبة، كان يُردّد أن النموذج الإدراكي المعرفي له قواعد وأصول في نظرية المعرفة، ترتقي فوق مخرجاتها. لا بد من خيط ناظم يفسّر، ومن شيء أعلى بكثير من المخرجات.

ما فوق عالم الطبيعة والروح والسياسة والمصلحة — شيءٌ ناظم سابق علوي متسامٍ، منه ينبع الفكر. هذه القاعدة الأولى التي بدأت منها رحلة إعادة النظر في بنية المعرفة.
حادثة الجاليري

في جولة في ديربان، دخلنا جاليري الفنون الحديثة. وقف المسيري أمام لوحة كبيرة، فقال لي: انظر إلى هذه اللوحة. ثم فرّج عليَّ بعد محاولتي تفسيرَها وقال: "يا وضاح، ذوقُك زفت". فمن يومها تعلّمتُ أن لا بدّ من البحث في نظرية المعرفة.

قادت هذه الرحلة إلى الوصول إلى القرآن الكريم، ورؤية حقيقة أن ما احتواه من آيات الله المبثوثة في الوجود المادي، وآياته المبثوثة في النفس، وآياته التي تُعلّمنا في حياتنا، هو في الحقيقة "نظرية كل شيء" التي كان يبحث عنها آينشتاين. والله تعالى أعلم.

٣

نقد البنية

الهرم المقصوص في الاستراتيجية الغربية

بحثتُ نظرية الاستراتيجية في الثقافة الغربية، فوجدتُها — كسائر العلوم هناك — هرماً مقصوصاً. تبدأ بتحديد المصلحة دون الغاية. فأضفتُ إليها بُعدَين: ما فوق المصلحة السنن، والأعلى هو الحق. تتجلّى الغاية العليا في الحق، ثم الحق في عالم السياسة والاستراتيجية يتمّ من خلال السنن.

الهرم الثلاثي للاستراتيجية

الحق

الغاية العليا

السنن

قوانين الله في المجتمعات والتاريخ

المصلحة

ما تتعامل معه الاستراتيجية الغربية وحدها

غياب السنن

لا تعرف الاستراتيجية الغربية هذه النظرية. السنن بالنسبة لها ليست مسألة مهمة. «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ» — هذا النص بالنسبة للواقعية الغربية ليس قضية مهمة.

٤

أزمة البنية الغربية

مركزية السلطة والمال

قامت الحضارات جميعاً قبل الغربية على اعتبار الميزان النمط الطبيعي المعتاد في الحياة. تقصّيتُ ذلك في الحضارة الصينية قبل خمسة آلاف سنة التي كانت تؤمن بالين واليانغ، ومروراً بالحضارات الأخرى، وصولاً إلى الحضارة الغربية الحديثة التي استندت إلى الرومانية القديمة. والرومان كان عندهم المشكلة نفسها: انتفى الميزان وأصبحت القوة هي المركز.

الحضارة الغربية
  • نمط الهيمنة من خلال القوة
  • مركزية السلطة والمال
  • احتكار الثروة في يد الحكم
  • ربط المال بمركز السلطة
  • الاستعمار بوصفه امتداداً لهذا النموذج
المدرسة النبوية
  • السلطة شأن مشاع بين الناس
  • مؤسسة الشورى ملزمة للنبي والمؤمنين
  • المال ملكٌ للناس يتداولونه فيما بينهم
  • عدم احتكار السلطة في قريش ولا بني هاشم
  • الفتح إزالةٌ لعوائق احتكار السلطة والمال

الفرق بين الفتح والاحتلال

جاء الفتح فأزال عوائق مركزية السلطة والمال، بينما الاستعمار السابق واللاحق — أيام الروم في الشام والفرس في العراق، أو الاستعمار الغربي الحديث — مدرسة واحدة: مركزية السلطة والمال في وجه الحرية. فجاء الإسلام فأعطى الحرية، وجعل السلطة والمال ملكاً مشاعاً بين الناس.

٥

مفهومان متقابلان

العظمة الغربية مقابل الفلاح القرآني

تأمّل في كلمة "The Great" في الثقافة الغربية: الإسكندر المقدوني يُسمّى العظيم، ثم شارلمان العظيم، ونابليون العظيم. كل كلمة "Great" في الثقافة الغربية تؤول إلى رجل قائد أمسك بمركز السلطة والمال بغض النظر عن الغاية. قيصرُ روما الذي قتل مليونَي إنسان في ذلك الوقت يُذكر على أنه "Great" عظيم. فالعظمة كانت في النجاح بالإمساك بزمام السلطة ومركزة الثروة، بغض النظر عن التكلفة.

العظمة (The Great)

النجاح في الحصول على العائد المادي المباشر، والإمساك بزمام السلطة ومركزة الثروة، بغض النظر عن التكلفة البشرية والأخلاقية والمآل.

الفلاح

تحصيل ما يُصلح الناس والمجتمع والإنسان في الحال، وما يعود على العامل في المآل في الآخرة. ليس النجاح المادي بالضرورة فلاحاً.

عندما تتحدث عن نظرية السياسة والاستراتيجية في الحضارة الغربية، فأنت تتحدث عن التجلّي الأكثر وضوحاً لمادية المفاهيم ولانفكاكها عن القيمة وعن الغاية. هي أسوأ ما أنتجه الغرب اليوم. والدليل أنه أنتج قنبلة نووية، وأوشك أن يدمّر الكوكب.
٦

الإنجاز أم الانتحار؟

قراءة خارجية للحضارة المعاصرة

لو جاء مخلوقٌ من المريخ ونظر إلى الحضارة الإنسانية، واكتشف أنّنا بعد نظرية التقدم العظيمة في المئتَي سنة الماضية استطعنا الوصولَ إلى سلاحٍ نستطيع به تدمير الكوكب عدة مرات، واكتشف كذلك أن طبقة الأوزون قد اخترقت، وأن الحرارة في الأرض قد ارتفعت، وأننا على وشك تدمير الكوكب — هل يُسمّي ذلك إنجازاً أم انتحاراً؟

لماذا انفكّت القيمة عن الخلق؟

لأن الإنسان الحديث أصبح مرجعاً لذاته. تجلّى ذلك في السياسة كما تجلّى في الصناعة والمجتمع وكل شيء آخر. من هنا نعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونعود إلى القرآن. ويحتاج مفكرونا وعلماؤنا إلى إعادة تفعيل هذه المفاهيم وإحياء موضوعها.

٧

تمييز القرار السياسي

المبدأ والراهنية الانتهازية

كل مصلحةٍ مآلاتها لا تؤدي إلى ارتقاء في المجتمع وفقاً للمعايير الأخلاقية — فهي "راهنية انتهازية". الراهنية بمعنى أنك في الوقت الراهن ترى شيئاً تنتهزه، لكنه لا يؤدي بعد ذلك إلى خير، بل بالعكس يؤدي إلى مفسدة.

صلح الحديبية

وقّعه النبي صلى الله عليه وسلم على موازين قوة في تلك اللحظة، لكنه كان واقعية مقاصدية. كانت تؤول إلى ما أراده من انفتاح على القبائل الأخرى والاعتراف بالطرف الإسلامي كطرف أساسي، مما أدى بعد ذلك إلى فتح مكة. غاية محسوبة المآل.

الاتفاقات الإبراهيمية

مثالٌ على الراهنية الانتهازية. راهنية لها علاقة بلحظة، لا تؤول إلا إلى شرٍّ لاحق. وكذلك صلح الرملة عند صلاح الدين — راهنية انتهازية لا تُبنى على موازين مقاصدية.

مسؤولية التوضيح

مطلوبٌ من المسؤول السياسي أو الاستراتيجي أن يوضح لقومه ما الذي يريده، ولماذا اتخذ هذا القرار، وهل له مآلات إيجابية ترتقي بمصلحة الأمة. أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم مدرسةَ الشورى. ما كانت السياسة أسراراً ولا كهنوتاً، ولا معلومات مقتصرة على اثنين يتخذان القرارات كما يشاءان.

٨

إعادة التوضيع

الضرورات الخمس في سياقها المعاصر

تتطلّب الضرورات الكبرى الخمس إعادة توضيع في الواقع المعاصر، كي تناسب ما وصلنا إليه في هذه اللحظة من التاريخ. فالمعاني في تراثنا موجودة والأفكار موجودة، لكن نحتاج إلى تقريبها إلى الواقع بإعادة موضوعها.

حفظ المال

إنجاز منظومة مالية تُحرّرنا من الارتهان للمنظومة المالية الغربية. هذا حفظٌ للمال في صورته المعاصرة.

حفظ النفس

امتلاك منظومة دفاعية إسلامية، بدل استجلاب جيوش أمريكا إلى دولنا فترهن قرارنا. هذا حفظٌ للنفس في صيغته اليوم.

حفظ الدين

تحصين الأجيال برؤية حضارية جديدة تغنيهم عن الارتماء في أحضان الحداثة الغربية الفاجرة.

خلاصة النظرية

١

النموذج المعرفي له خيط ناظم سابق علوي، لا يُفهم الفكر إلا بالرجوع إليه.

٢

القرآن يُمثّل "نظرية كل شيء" التي بحث عنها آينشتاين في الفيزياء.

٣

هرم الاستراتيجية الصحيح: الحق غايةً، ثم السنن وسيلةً، ثم المصلحة مجالاً.

٤

الحضارة الغربية قائمة على ثنائية مركزية السلطة والمال، والإسلام فكّ هذه المركزية.

٥

الفرق بين العظمة (The Great) بوصفها نجاحاً بأي ثمن، والفلاح بوصفه صلاحاً حالاً ومآلاً.

٦

القيمة انفكّت عن الخلق في الحضارة الغربية، فأنتجت سلاحاً قادراً على تدمير الكوكب.

٧

الفرق بين الواقعية المقاصدية (كصلح الحديبية) والراهنية الانتهازية (كالاتفاقات المعاصرة).

٨

الضرورات الخمس تحتاج إعادة توضيع: حفظ المال بمنظومة مالية مستقلة، والنفس بدفاع ذاتي، والدين برؤية حضارية جديدة.