ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الثالثة
الدكتور هلال بن حسن اللواتي
تأسيس مَبنائي للمعرفة على قاعدة الاحتياج الذاتي للإنسان، وكشفٌ عن الفرق بين بناء الإنسان من الخارج وبنائه من متطلبات ذاته.
التقسيم الأول
تنقسم أدوات المعرفة في القرآن إلى قسمين: حسية، وغير حسية. أما الحسية فخمس، وهي التي تحدّثت عنها الحكمة في قاعدتها المشهورة: "من فقد حساً فقد علماً".
تُدرك الألوان والأبعاد والصور
تُدرك الأصوات والخطاب والكلام
تُدرك الروائح والأعراف
تُدرك الطعوم والنكهات
تُدرك الملامس والحرارة والضغط
تقف هذه الأدوات الخمس على حدود المحسوس، ومن فقد حاسّة منها عُدّ فاقداً لنوع من المعرفة. لكن القرآن لا يكتفي بها، بل يُقدّم أدواتٍ أرفع تصل إلى ما وراء المحسوس.
التقسيم الثاني
يُقدّم القرآن خمساً من الأدوات غير الحسية، لكل واحدة منها ميدانها الخاص، وموضع اشتغالها في الإدراك والمعرفة.
أداة الاستدلال والربط بين المقدمات والنتائج، ومحلّ التدبّر النظري في الآيات.
إدراكٌ مباشر لما في النفس من معانٍ لا تقبل الإنكار، كإدراك الألم واللذة والمحبة.
الأصل الذي فُطر عليه الإنسان قبل أيّ اكتساب، وهي التي تدلّ على خالقها بذاتها.
محلّ التصديق والإذعان واليقين، وهو الذي يتلقى الأنوار المعرفية العليا.
الأداة الكاشفة عن الحقائق الوجودية. لا بد أن يكون من يُوحى إليه في مستوى من النزاهة المطلقة حتى يكون كلامه ذا مصداقية.
للوحي محلٌّ خاص بين هذه الأدوات، لأنه الكاشف عن الحقائق الوجودية التي لا تبلغها الأدوات الأخرى بمفردها. وهو يُصحّح العقل والوجدان والفطرة، ويُوجّه القلب إلى مواطن اليقين.
طبيعة المعرفة
تقوم الأصالة الدينية في القرآن على أنها مِرآةٌ حقائق، كاشفة عن الحقائق لا مؤسِّسة لها. وهذا فرقٌ جوهري: القرآن يُرينا الحقائق الموجودة أصلاً، ويكشف عنها، ولا يصنعها ابتداءً.
المنهج
ينطلق القرآن في تأسيس المباني من الإنسان بوصفه الهدف المستهدف في كل علم. فالعلوم جميعاً مرجعها الإنسان، وهو الذي يصبغ عليها الصلاح أو الفساد. هنا يتأسّس المنهج القرآني على أربع خطوات متتابعة.
أول ما ينطلق فيه القرآن هو النظر إلى الإنسان ومحاولة تجهيز الأرضية، أرضية ذات الإنسان قبل أي علم.
تحديد الأسس المعرفية النوعية التي تُبنى عليها ذات الإنسان، قبل الدخول في التفاصيل.
اختيار النوع الأنسب من المعاني والمباني العلمية، لا أيّ نوع. ليست كل مادة تصلح للذات الإنسانية.
يأتي متأخراً دائماً، لأنه تابع لا متبوع. الكم نتيجة النوع، لا مقدمة عليه.
تتعامل مع ذات الإنسان بحسب الخبرة والثقافة والعلم والتجربة. تُسقط ما لديها على الذات المستهدفة وتُحاول تطبيق ما لديها، وتنتهي بنتيجةٍ مصدرها الخارج.
تتعامل مع ذات الإنسان وفق متطلباتها الذاتية واحتياجاتها ومقتضياتها وطبيعتها الذاتية. تستنطق الذات نفسها، فتكون النتيجة مختلفة كلياً.
تفريق دقيق
يُفرّق القرآن بين نوعين من الاحتياج، والفرق بينهما يُغيّر طبيعة التعامل مع الإنسان. الاحتياج الاعتباري يعني أن أعتبر لك احتياجاً وأُعطيك ما أراه لك مناسباً. أما الاحتياج الذاتي فيعني أن ذاتك مركّبة بطبيعة خاصة تتطلّب غذاءً معيناً بحكم طبيعتها.
طبيعة البدن مركّبة على شكل يحتاج غذاءً معيناً بحكم تركيبها، لا بحكم ما يُعطيه المُعطي. يقول البدن: "أريد غذاءً يتلاءم مع طبيعتي البدنية، لا غذاءً باعتبارك أنت". فالاحتياج هنا ناشئ من ذات الطبيعة، لا من خارجها.
والسؤال الذي يُقود الباحثَ المنصف: هل القلب أيضاً له احتياج ذاتي بحكم طبيعته؟ هل الروح لها احتياج خاص؟ هل النفس؟ هل العقل مركّب بطبيعة خاصة يحتاج إلى غذاء خاص؟ ثم، هل البشرية تقف على احتياج هذه العناصر كلها مائة بالمائة بالمعنى الحرفي؟ الجواب: لا.
تركيبة الإنسان
يتركّب الإنسان من خمسة عناصر، وفي عين اختلاف هذه العناصر مفهوماً ومضموناً وحقيقةً، فبينها مشتركاتٌ جوهرية هي الرابطة التي تربط بعضها ببعض. ولا يمكن الغفلة عن مشتركاتها في حال التوجّه إلى كل واحدة منها بالاستقلال.
أداة الاستدلال والتفكير
محلّ الرغبات والإرادة
السرّ الإلهي المنفوخ
محل التصديق واليقين
الوعاء الحسي للإنسان
المدرسةُ الوحيدةُ التي تُقدّم البرامج والمشاريع لبناء الإنسان وفق متطلباته واحتياجاته الذاتية هي المدرسةُ الإلهية فقط. فمن ادّعى غير ذلك قلنا له: «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».
الغاية العليا
المقاصد التي ذُكرت في التعاليم القرآنية، مقصدها الأساسي التوحيد الخالص. ولا يوجد أحدٌ ولا شيءٌ أكبر من التوحيد الخالص. يدخل هذا التوحيد في الاقتصاد، وفي السياسة، وفي التربية، وفي الاجتماع، وفي كل شيء على الإطلاق — من أصغر جزء في الذرة إلى أعظم مجرّة.
المحقّق لمقتضيات الذات ليس إلا التحقّقَ بالتوحيد الخالص، وهو لا يتحقّق إلا بالتوحيد العملي. فالتوحيد النظري قد يُوقع الإنسان في التناقضات، أما التوحيد العملي فبابه مختلف تماماً، يفتح على الإنسان آفاقاً إلهية ودروباً مغايرةً لما هو سائد في الأروقة الأكاديمية.
الخلاصة القرآنية
يُختم هذا التأصيل بتأمّل آية واحدة تجمع كل ما مضى، وتُقرّر حقيقةً لا يُفلت منها الباحث في أدوات المعرفة: مفهوم الحياة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
سورة الأنفال — الآية ٢٤
منطق الآية: الإنسان ميّتٌ إن لم يستجب لله وللرسول. ويربط القرآن دائماً بين النبي وذاته سبحانه، بعطف الرسول على الله في الاستجابة. وذلك في وجه المدرسة التي تحاول أن تُبعد النبي عن كل مجالات الحياة.
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا
سورة الأنعام — الآية ١٢٢
الأدوات المعرفية في القرآن قسمان: حسية خمس، وغير حسية خمس (العقل، الوجدان، الفطرة، القلب، الوحي).
الأصالة الدينية مرآةٌ كاشفة للحقائق، لا مؤسِّسة لها. تكشف ما هو موجود أصلاً.
يُقدّم القرآن التأسيس المَبنائي قبل البنائي: تجهيز الذات قبل التزوّد الكمّي بالعلوم.
الفرق بين الاحتياج الذاتي (ما تتطلّبه طبيعة الذات) والاحتياج الاعتباري (ما نعتبره احتياجاً من الخارج).
الإنسان مركّب من خمسة عناصر: العقل، النفس، الروح، القلب، البدن — مع اشتراك في عين الامتياز.
المدرسة الإلهية وحدها تُقدّم بناء الإنسان وفق متطلّبات ذاته، وسواها يُطالَب بالبرهان.
التوحيد العملي يتجاوز النظري، ويدخل في كل شأن من أصغر ذرة إلى أعظم مجرّة.
الحياة الحقيقية استجابةٌ لله وللرسول، وهي وحدها تُخرج الإنسان من الظلمات إلى النور.