ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الثانية
الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي
نظرية قرآنية لعلم النفس تنطلق من مراد خالق النفس، وتقف في وجه الأطروحات الوضعية التي نحّت الوحيَ وجعلت المخلوقَ مرجعاً لذاته.
تعريف أولي
يُقصد بفقه النفس الاجتهادُ في فهم النفس الإنسانية على طريقة خالقها ومنهاجه ومَرَدّه ووحيه. وبلغة أدقّ: هو اجتهاد النفس المخلوقة في محاولة فهم النفس المخلوقة على مراد الخالق، انطلاقاً وعودةً. كل شخص يحاول الانطلاق لفهم النفس الإنسانية من مرجع خالقها يُمكن أن يُنسب إلى فقه النفس، وما سوى ذلك ظنٌّ يحاول المخلوق من خلاله أن يفهم المخلوقَ انطلاقاً من المخلوق وعودةً إليه.
الافتراق والتقاطع
يفترق فقه النفس عن غيره في المنطلقات والأسس والمبادئ، ويتقاطعان في الطريق، ثم يفترقان مرة أخرى في الغايات والمآلات. فنحن ننطلق من وجود خالقٍ خلق مخلوقاً وأنزل له وحياً يهتدي به لطمأنينة الدنيا وسعادة الآخرة. أما غيرنا فلا يكترث لهذا؛ وإن اكترث فموقفه حيادي سلبي.
المعوقات
تعترض طريقَ ردّ النفس إلى أصولها ثلاثياتٌ من الصوارف والمعوقات والموانع، تُختصر بكلمتين: شبهةٍ وشهوة، أو جهلٍ وهوى.
يتصدّر دكتور في كلية علم نفس لمعرفة النفس الإنسانية دون أن يعرف أبا زيد البلخي ولا ابن أبي الربيع، لكنه يعلم تفاصيل كل اسم غربي يُدرَّس في الأكاديميا.
الكِبر، والكذب، والكسل، والكلف، والكمال الوهمي. منها عقدة النقص تجاه الغالب الغربي، حتى من المعارضين لكل تأصيل إسلامي بحجة الإنصاف.
الغفلة عن الدنيا وعن هذه الحياة. يسميها البعض اللعب واللغو، لكنها تُغرق الناس في الترفيه وتحجبهم عن التأمل الجادّ في حال النفس.
يُطلب من الباحث الجادّ قليلٌ من الإمساك والتوقف والصبر، وشيءٌ من الصدق في البحث. ويُطلب منه أن يتوقف في مآلات ما يجري في العيادة النفسية، وأحوال الزواج والطلاق، وانحدار مفهوم الأنوثة. يُختصر هذا كله في ثنائية العلم والعمل.
الخط الزمني
لم يصل علم النفس المعاصر إلى ما هو عليه في يوم وليلة. سعى الإنسان بعيداً عن الوحي منذ ما قبل الميلاد، مروراً بمحطات متعاقبة في تاريخ الفكر البشري.
محاولة الوصول إلى الغيب بالطرق الشعوذية. تراها اليوم في شوارع سان فرانسيسكو: طوابير أمام شخص يُلقي الأحجار ليُخبر الناسَ عن زواجهم ومهنهم. هي نفسها في كثير مما يُسمّى بالتنمية البشرية.
صارت الفلسفة ديناً عند اليونان، وأقاموا الأكاديميا بديلاً عن المعبد، ثم صارت الأكاديميا لاحقاً بديلاً عن المسجد. نشأت أساطيرهم نظرياتٍ تُدرَّس اليوم على أنها علم، فتجد شاباً مسلماً يتبنّى عقدةً مصدرُها أسطورة يونانية.
كان المريض العقلي في أوروبا يُحرَق. في المقابل، بعد ٧٠٠ سنة من الإسلام كانت للمسلمين مشافٍ تُعالج الإنسان وتحترمه. وفي الوحي وخير القرون تحدٍّ قائم: أن يأتي أحدٌ بأول قرن وأربعين سنة من الإسلام بأيّ مرض نفسي من تعريفاتنا اليومية.
أعلن الغرب القطيعة مع الوحي، ثم وصل إلى ما بعد الحداثة والخذلان واليأس. نشأت ما تُسمَّى "الأكاديمية النفسية" في ادّعاء العلم التجريبي، مع أن الطبيب النفسي إلى اليوم لا يكفّ عن إدخال فلسفته الشخصية في التشخيص.
بدأ مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي. أدّوا أداءً طيباً بدءاً بمحمد عثمان نجاتي وإسماعيل الفاروقي، وصولاً إلى مالك بدري ونزار معاني. ومع ذلك، ما زال التنظير مبالغاً فيه والنزول إلى الواقع قليلاً.
خارطة العلوم
يُقسَم العالم إلى قسمين: مادةٍ تُدرَس، وطريقةٍ تُدرَس بها. وأيّ شيء في الكون إما ماهيّة تدرسها، وإما كيفية تدرس بها. والماهيّات تنقسم إلى آفاق وأنفس: الآفاق زمان ومكان، والمكان سماء وأرض. يُعامل علم النفس الوضعي الإنسانَ على أنه حيوان متطور، فيُقرّبه من النفس البهيمية ويُبعده عن المعنى الإنساني الذي أراده له الوحي.
ثمة تحفّظ على مصطلح "العلوم الإنسانية" من موقع ما قاله محمد قطب، والمختار تسميتها "العلوم الاجتماعية". والسبب: اختلافُنا مع أصحابها في تعريف الإنسان من الأصل. فالاجتماع وإدارة شؤونه تسمى علم اجتماع وسياسة واقتصاد، لكن المعضلة ليست في الجانب الأيمن من الخارطة بل في الجانب الأيسر: كيف تُدرَس الأمور؟
ثلاثية المنهج
تُحكم الفلسفةُ الغربيةُ اليومَ التصوّرَ الكوني في الإعلام ومناهج البحث. المشكلة ليست في الأداة — فالعقل الفطري والنظر والتجريب أدوات يعرفها الإنسان — بل في كيفية صياغة الفلسفة للمادة المعرفية. كيف تُدرسك قضيةُ ضياع الفرص بوصفها ضياعَ فرص، مع أنها قد تكون ابتلاءً معيناً. هذا يحتاج إلى وحيٍ يُوجّه.
العقل الفطري، والنظر والتجريب، وتوجيه الوحي. الأوّلان يفتقران إلى توجيه الوحي. وقد قيل في التراث: "إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى، فأولُ ما يقضي عليه اجتهادُه".
لا يستطيع الإنسان أن يخرج عن أحد تصوّرين: إما منطلق من خالق ووحيٍ ينزل إليه، وإما منطلق من رؤية للنفس والكون تُسمّى فلسفة، ومهما كانت تفاصيل تعريفها فهي حركةُ النفس في النفس والأشياء. الفلسفات المعاصرة كلها منطلقة من مخلوق تعود إلى مخلوق، والدين بالنسبة لها محايدٌ إن وُجد، أو سلبيّ.
النظرة إلى النفس
تحكم المسلّمات الضمنيةُ كلَّ ممارسةٍ نفسية. والفرق بين ما يُقدّمه القرآن وما تُقدّمه النماذج المختلفة يبدأ من النظرة الأولى إلى الإنسان.
تجعل الإنسان إلهاً، أو خارقاً، أو كائناً سُفلياً. تدعو إلى وحدة الوجود وعبادة المخلوقات. وتُنتج ما يُسمّى اليوم بالإلحاد الروحي من يوغا وريكي وتنويم إيحائي.
تجعله سليل جراثيم، قردةً، قُمامات نجوم، مركزَ كون، أو خصماً للطبيعة. معاييرها للصحة النفسية مضطربة: إنتاجية فقط، أو خلوّ من الأمراض، أو عدم إيذاء بأي تعريف للإيذاء.
كائنٌ موجود مخلوق مبتلىً مفطور مفضَّل مكرَّم مهديٌّ خليفة. فيه براءةٌ أصيلة، غيبٌ وشهادة، جسدٌ وروح، فطرةٌ وكسب، علمٌ وعمل، أخوّةٌ مع الكون، وإصلاحٌ وإعمار.
وصية ختامية
يُطلب من كل باحث يودّ الدخول في هذا المجال — ولو من باب غير التخصّص — أن يلتزم بأصولٍ منهجية قبل أن يتحدّث في شأن النفس الإنسانية.
فقه النفس: اجتهاد في فهم النفس على طريقة خالقها انطلاقاً وعودةً، لا اجتهاد المخلوق في المخلوق.
الأكاديمية النفسية المعاصرة: مادة إلحادية تنحّي الوحيَ وتجعل المخلوق مرجعاً لذاته.
الافتراق في المنطلقات والمآلات، والتقاطع في الطريق والأدوات.
معوقات الوصول: الجهل، والهوى بكافاته الخمس، والغفلة عن المآل.
مسيرة الابتعاد: من الشامانية إلى الفلسفة اليونانية إلى الأكاديميا الغربية.
النظر الصحيح يقوم على ثلاثية: عقلٍ فطري، ونظرٍ وتجريب، وتوجيه وحي.
النفس في الإسلام: كائن مخلوق مبتلىً مكرَّم مهديٌّ خليفة، لا سليل جراثيم ولا قمامات نجوم.
منهج الباحث: أصول الدين، ثم الوحيان، ثم التراث، ثم منتجات المعاصرين، ثم الاستنباط.