ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الأولى
الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي
منهج علمي لصياغة ضوابط التفسير، ينصف التراث ويُلبي نهم القارئ المعاصر، ويحصّنه من التأويلات الحداثية والأسطورية.
المنطلق
يعرف المشتغلون بعلم التفسير أنّ أهل العلم قد قرّروا ضوابطَ التفسير، وجعلوا حدوداً للتأويل وتدبّر كتاب الله. ما أرادوا بتلك الضوابط إلا الوقوف عندها؛ حتى يكون تأويلهم لمراد الله موافقاً لمراده سبحانه، قريباً من الصواب، قائماً على أدلة علمية صحيحة. وتلك الضوابط مبثوثةٌ في كتب التفسير وعلوم القرآن، لا يكاد يوجد مفسّر إلا وقد صدّر تفسيره ببيان المنهج الذي يسير عليه والأصول التي يعتمد عليها.
حاول ذلك ابنُ العربي، وحاوله الحرالي المراكشي، وحاوله ابن تيمية وابن القيم، والقاسمي من المتأخرين. ومحاولاتهم إنما جاءت لاستخلاص هذه القواعد من كتب التفسير. ويواصل المعاصرون اليوم الكتابة في أصول التفسير وقواعده، بقصد استنباطها من مناهج المفسرين، وإن ظلّ كثيرٌ منها في بداياته.
التشخيص
يجد طالب العلم نفسه أمام عشرات من كتب التفسير المختصرة والمتوسطة والمتوسّعة، ومناهج متنوعة بين من يعتني باللغة والبيان، ومن يعتني بالأحكام الشرعية، ومن يعتني بوجوه التفسير المختلفة. وحتى لو رجع إلى "التحرير والتنوير" للعلّامة الطاهر بن عاشور باعتباره جامعاً لكثير مما تفرّق في غيره، فسيجد صعوبة في استيعابه ما لم تكن له خبرة بعلوم البلاغة والإعجاز القرآني، وبتفاسير متخصصة كتفسير الزمخشري والبيضاوي.
يقف القارئ في الغالب عند حدود تفسير مفردات غريب القرآن، ولا يخرج بما يُرضي نهمَه أو يُشبع تطلّعاته. سيستمر السؤال قائماً: أين مكمن الخلل؟ ما الذي يتلمّسه هذا الناظر في كتاب الله ولا يجده؟
العلوم اللازمة
يحتاج المشتغل بكتاب الله إلى جملة من العلوم والمعارف؛ في صدارتها علوم اللغة بأنواعها، لا تقتصر على النحو كما يظنّ بعض الناس، بل تمتدّ إلى البلاغة والصرف والاشتقاق ومعاني النحو. ويحتاج إلى علوم القرآن جميعاً: المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، تاريخ التدوين، علوم القراءة والتجويد والرسم. ويحتاج إلى أصول الفقه وقواعد الاستنباط والترجيح.
البلاغة والبيان، النحو والصرف، معاني النحو، الاشتقاق، الأساليب العربية وأسرارها.
المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، أسباب النزول، القراءات، الرسم والتجويد.
قواعد الاستنباط، الترجيح بين الأدلة عند التعارض، دلالات الألفاظ.
يُضاف إلى هذه العلوم شيءٌ أشار إليه بعض المفسرين في مقدمات تفاسيرهم: الموهبة والفراسة. فمن يُكثر النظر في كتاب الله بقلب صافٍ وقصد حسن، ويُطالع كتب التفسير، يُورثه ذلك ملكةً تُعينه على الفهم العميق والبُعد عن السطحية.
ينبغي التفريق بين شروط المفسّر — وهي العلوم التي يحتاج إليها — وبين وجود قواعد أو أصول تفسيرية. الأول مُقرَّر في كتب التراث، والثاني ما يحاوله الباحثون المعاصرون من صياغة قواعد على نمط قواعد أصول الفقه: "الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة".
الغاية الأولى
تتمثّل الغاية من صياغة هذا المنهج في أن يتذوّق المسلم حلاوة القرآن، وأن ينتقل من اليقين النظري بأنه كتاب معجزٌ إلى الشعور الحقيقي بذلك. فلا يكفي أن يقتنع القارئ يقيناً بإعجاز القرآن؛ بل يحتاج إلى أن يجد في نظره إلى كتاب الله ما يبعث فيه انجذاباً وإكباراً وتعظيماً.
المقاصد العليا
ناقش أهل العلم قديماً سؤال المقاصد الكبرى للقرآن الكريم. ويُعجبني كلام ابن الزملكاني لأنه وضع المقاصد العليا في أربعة أركان واضحة، تجمع كل ما في القرآن ولا يخرج عنها شيء.
بيان صفاته سبحانه وأسمائه وأفعاله، وتعظيم ذاته في نفوس عباده.
بيان الطريق الموصل إلى الله تبارك وتعالى من عقيدة وشريعة وأخلاق.
استعراض أحوال السالكين في هذا الطريق أو المنحرفين عنه من الأمم السابقة.
عرض مآل هذا الطريق: الجنة لمن استقام، والنار لمن انحرف.
وقد أطال ابن القيم وابن تيمية النفَس في الحديث عن مقاصد القرآن. أما الإمام الغزالي فاختصر وحاول ترتيبها في كتابه "جواهر القرآن"، وظهرت عنده مصطلحات الكبريت الأحمر. وتأسّف في آخر حياته على ما فات من عمره لم يشتغل فيه بالقرآن اشتغاله به في أواخر أيامه.
التناسب والنظم
ينبغي أن يستصحب القارئ مقاصد السورة حين يتعرّض لموضوعاتها. يحتاج إلى ربط السور المكية بالأحداث العالمية وبصياغة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين وللدولة اللاحقة. ويقودنا هذا إلى علم التناسب الذي اشتُهر به الإمام البقاعي، وعارضه السيوطي في البدايات ثم عاد إليه.
التناسب بين آيات السورة الواحدة، وبين السورة وما قبلها وما بعدها، وبين مقدمة السورة وخاتمتها — بابٌ يكشف كنوزاً في كتاب الله، ويُسهّل الفهم والحفظ والتدبر معاً.
اعتنى بهذا الجانب كثيراً من علماء الهند المسلمين الإمامُ الفراهي، وأظهر الشيء الكثير من النافع. وقد اشتغل الشيخ محمد عبد الله دراز في "النبأ العظيم" شغلاً يفتح الأذهان على ترابط أجزاء سورة البقرة والنظم العجيب بين موضوعاتها: كيف يأتي الإجمال ثم التفصيل، وكيف تمتزج المقاصد العليا بأجزائها، وما صلة المقدمة بالخاتمة.
التنقية
يُطالَب المفسّر بالتجرّد من جملة من العوامل المناقضة لحسن النظر في كتاب الله، في صدارتها نوعان من التأويل يمثّلان طرفَي الانحراف.
يقوم على الأهواء، ولا يستند إلى لغة ولا علوم قرآن ولا أصول. قد يعمد أحياناً إلى شيء من اللغة ويُهمل السنة، أو يُعوّل على بعض الأحاديث لخدمة غايته ويطرح قواعد اللغة واشتقاقها.
يسري عند عموم الناس. تستهوي الجماهيرَ القصصُ والخرافات، وقد حُشيت كتب التفسير بالإسرائيليات. تُروى ثم يقال إنها ضعيفة، لكنها تعلق في الأذهان فيُعترض بها على الدين.
يُضاف إلى النوعين المذكورين تكلّفٌ ثالث: العقلانية المفرطة التي تردّ كل شيء إلى أسباب مادية، وتهضم جانب الإيمان بالغيب والمنقلب، وتُظهر الجوانب المادية والمنافع المتوخّاة على حساب مراد الله. وهذا ظلمٌ لكتاب الله أيضاً، يحتاج إلى التخلّي عنه بالقدر نفسه.
الوصل بالواقع
يعود تأويل النص في أحد معانيه إلى ربط القرآن بواقع المكلَّف. قرأ المسلم قصة موسى مع بني إسرائيل، وقصة موسى مع فرعون. كيف لا يكون ثمة وصلٌ بين ما قرأ وبين واقعه المعاصر، وبين الشبهات والشهوات التي يتعرّض لها؟ ما فائدة القرآن إن حُشيت به الأدمغة دون أن يُقدَّم حاكماً على الحياة؟
ينبغي أن يُقدَّم التفسير بأسلوب واضح يُناسب قدرات المخاطَبين وملكاتهم مع تفاوتها، ويصلهم بمشكلاتهم المستجدة. فإن ألمّت بالناس فتنة، فما الذي يُبيّن لهم كيفية الخلاص منها سوى كتاب الله؟ فإن لم يفعل ذلك أهل العلم فمن يفعل؟
تذوّق حلاوة كتاب الله والانتقال من اليقين النظري إلى الشعور الحقيقي بالإعجاز.
التعريف بالمقاصد العليا للقرآن الكريم وفق تصنيف ابن الزملكاني الرباعي.
استحضار مقاصد السورة وموضوعاتها عند النظر في آياتها والانتقال بين موضوعاتها.
العناية بالتناسب والنظم بين الآيات والسور ومطالع السور وخواتيمها.
معرفة غريب القرآن ومفرداته دون الاقتصار عليها، والارتقاء إلى بيان المعنى الكلي.
تذوّق الخصائص البلاغية: لماذا جاءت هذه المفردة دون غيرها، ودلالات التراكيب.
ربط النص بواقع المكلَّف فرداً ومجتمعاً وأمّة، وبالشبهات والشهوات المستجدة.
التجرّد من التأويل الحداثي الزائغ، والأسطوري الخرافي، والعقلانية المفرطة.