ندوة القرآن وبناء الإنسان — الجلسة الأولى

ضوابط التفسير القرآني وحدود التأويل

الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي

منهج علمي لصياغة ضوابط التفسير، ينصف التراث ويُلبي نهم القارئ المعاصر، ويحصّنه من التأويلات الحداثية والأسطورية.

ما يُقدّمه هذا الدرس

١يكشف سبب عدم تلبية التراث التفسيري لنهم عموم المسلمين اليوم.
٢يُفرّق بين شروط المفسّر والعلوم اللازمة له، وبين صياغة قواعد للتفسير.
٣يُبيّن المقاصد العليا للقرآن الكريم وفق تصنيف ابن الزملكاني والإمام الغزالي.
٤يُعرّف بعلم مقاصد السورة وموضوعاتها ومواطن قصور المفسرين فيها.
٥يُقدّم علم التناسب والنظم كما عند البقاعي والفراهي والفراهيم.
٦يُنبّه على خطورة التأويل الحداثي الزائغ والتأويل الأسطوري الخرافي.
٧يرسم ثمانية وجوه لمنهج علمي في التعامل مع كتاب الله عز وجل.
٨يربط معاني القرآن بالواقع المعاصر ومشكلات الأمة المستجدة.
١

المنطلق

لماذا البحث عن ضوابط التفسير؟

يعرف المشتغلون بعلم التفسير أنّ أهل العلم قد قرّروا ضوابطَ التفسير، وجعلوا حدوداً للتأويل وتدبّر كتاب الله. ما أرادوا بتلك الضوابط إلا الوقوف عندها؛ حتى يكون تأويلهم لمراد الله موافقاً لمراده سبحانه، قريباً من الصواب، قائماً على أدلة علمية صحيحة. وتلك الضوابط مبثوثةٌ في كتب التفسير وعلوم القرآن، لا يكاد يوجد مفسّر إلا وقد صدّر تفسيره ببيان المنهج الذي يسير عليه والأصول التي يعتمد عليها.

ترجع الحاجة إلى الضوابط والقواعد إلى سببين اثنين: عدم كفاية الموجود من التراث لسدّ حاجة القارئ المعاصر، ووجود أطروحات معاصرة فيها زيغٌ في التفسير تقع عند عموم المسلمين موقع الاستغراب، وعند طائفة منهم موقع الإعجاب والمتابعة.

حاول ذلك ابنُ العربي، وحاوله الحرالي المراكشي، وحاوله ابن تيمية وابن القيم، والقاسمي من المتأخرين. ومحاولاتهم إنما جاءت لاستخلاص هذه القواعد من كتب التفسير. ويواصل المعاصرون اليوم الكتابة في أصول التفسير وقواعده، بقصد استنباطها من مناهج المفسرين، وإن ظلّ كثيرٌ منها في بداياته.

٢

التشخيص

عدم كفاية الموجود وتفرّق المعارف

يجد طالب العلم نفسه أمام عشرات من كتب التفسير المختصرة والمتوسطة والمتوسّعة، ومناهج متنوعة بين من يعتني باللغة والبيان، ومن يعتني بالأحكام الشرعية، ومن يعتني بوجوه التفسير المختلفة. وحتى لو رجع إلى "التحرير والتنوير" للعلّامة الطاهر بن عاشور باعتباره جامعاً لكثير مما تفرّق في غيره، فسيجد صعوبة في استيعابه ما لم تكن له خبرة بعلوم البلاغة والإعجاز القرآني، وبتفاسير متخصصة كتفسير الزمخشري والبيضاوي.

لماذا لا يجد المسلمون بغيتهم؟

يقف القارئ في الغالب عند حدود تفسير مفردات غريب القرآن، ولا يخرج بما يُرضي نهمَه أو يُشبع تطلّعاته. سيستمر السؤال قائماً: أين مكمن الخلل؟ ما الذي يتلمّسه هذا الناظر في كتاب الله ولا يجده؟

٣

العلوم اللازمة

شروط المفسّر لا قواعد التفسير

يحتاج المشتغل بكتاب الله إلى جملة من العلوم والمعارف؛ في صدارتها علوم اللغة بأنواعها، لا تقتصر على النحو كما يظنّ بعض الناس، بل تمتدّ إلى البلاغة والصرف والاشتقاق ومعاني النحو. ويحتاج إلى علوم القرآن جميعاً: المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، تاريخ التدوين، علوم القراءة والتجويد والرسم. ويحتاج إلى أصول الفقه وقواعد الاستنباط والترجيح.

علوم اللغة

البلاغة والبيان، النحو والصرف، معاني النحو، الاشتقاق، الأساليب العربية وأسرارها.

علوم القرآن

المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، أسباب النزول، القراءات، الرسم والتجويد.

أصول الفقه

قواعد الاستنباط، الترجيح بين الأدلة عند التعارض، دلالات الألفاظ.

يُضاف إلى هذه العلوم شيءٌ أشار إليه بعض المفسرين في مقدمات تفاسيرهم: الموهبة والفراسة. فمن يُكثر النظر في كتاب الله بقلب صافٍ وقصد حسن، ويُطالع كتب التفسير، يُورثه ذلك ملكةً تُعينه على الفهم العميق والبُعد عن السطحية.

تفريق جوهري

ينبغي التفريق بين شروط المفسّر — وهي العلوم التي يحتاج إليها — وبين وجود قواعد أو أصول تفسيرية. الأول مُقرَّر في كتب التراث، والثاني ما يحاوله الباحثون المعاصرون من صياغة قواعد على نمط قواعد أصول الفقه: "الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة".

٤

الغاية الأولى

تذوّق حلاوة كتاب الله

تتمثّل الغاية من صياغة هذا المنهج في أن يتذوّق المسلم حلاوة القرآن، وأن ينتقل من اليقين النظري بأنه كتاب معجزٌ إلى الشعور الحقيقي بذلك. فلا يكفي أن يقتنع القارئ يقيناً بإعجاز القرآن؛ بل يحتاج إلى أن يجد في نظره إلى كتاب الله ما يبعث فيه انجذاباً وإكباراً وتعظيماً.

إن نقل النص الموحى به إلى عموم الناس بما يُدخلهم في متاهة التعقيدات، ويورثهم مزيداً من الغموض — ظلمٌ لتفسير كلام الله. فنحن بحاجة إلى إعادة الهيبة والجمال والإجلال لكلامه سبحانه.
٥

المقاصد العليا

غايات القرآن الكبرى في تصنيف ابن الزملكاني

ناقش أهل العلم قديماً سؤال المقاصد الكبرى للقرآن الكريم. ويُعجبني كلام ابن الزملكاني لأنه وضع المقاصد العليا في أربعة أركان واضحة، تجمع كل ما في القرآن ولا يخرج عنها شيء.

التعريف بالله

بيان صفاته سبحانه وأسمائه وأفعاله، وتعظيم ذاته في نفوس عباده.

التعريف بالطريق

بيان الطريق الموصل إلى الله تبارك وتعالى من عقيدة وشريعة وأخلاق.

التعريف بأحوال السالكين

استعراض أحوال السالكين في هذا الطريق أو المنحرفين عنه من الأمم السابقة.

بيان المآل

عرض مآل هذا الطريق: الجنة لمن استقام، والنار لمن انحرف.

وقد أطال ابن القيم وابن تيمية النفَس في الحديث عن مقاصد القرآن. أما الإمام الغزالي فاختصر وحاول ترتيبها في كتابه "جواهر القرآن"، وظهرت عنده مصطلحات الكبريت الأحمر. وتأسّف في آخر حياته على ما فات من عمره لم يشتغل فيه بالقرآن اشتغاله به في أواخر أيامه.

٦

التناسب والنظم

مقاصد السورة وترابط أجزائها

ينبغي أن يستصحب القارئ مقاصد السورة حين يتعرّض لموضوعاتها. يحتاج إلى ربط السور المكية بالأحداث العالمية وبصياغة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين وللدولة اللاحقة. ويقودنا هذا إلى علم التناسب الذي اشتُهر به الإمام البقاعي، وعارضه السيوطي في البدايات ثم عاد إليه.

قاعدة النظم

التناسب بين آيات السورة الواحدة، وبين السورة وما قبلها وما بعدها، وبين مقدمة السورة وخاتمتها — بابٌ يكشف كنوزاً في كتاب الله، ويُسهّل الفهم والحفظ والتدبر معاً.

اعتنى بهذا الجانب كثيراً من علماء الهند المسلمين الإمامُ الفراهي، وأظهر الشيء الكثير من النافع. وقد اشتغل الشيخ محمد عبد الله دراز في "النبأ العظيم" شغلاً يفتح الأذهان على ترابط أجزاء سورة البقرة والنظم العجيب بين موضوعاتها: كيف يأتي الإجمال ثم التفصيل، وكيف تمتزج المقاصد العليا بأجزائها، وما صلة المقدمة بالخاتمة.

٧

التنقية

التجرّد من التأويلات الزائغة

يُطالَب المفسّر بالتجرّد من جملة من العوامل المناقضة لحسن النظر في كتاب الله، في صدارتها نوعان من التأويل يمثّلان طرفَي الانحراف.

التأويل الحداثي

يقوم على الأهواء، ولا يستند إلى لغة ولا علوم قرآن ولا أصول. قد يعمد أحياناً إلى شيء من اللغة ويُهمل السنة، أو يُعوّل على بعض الأحاديث لخدمة غايته ويطرح قواعد اللغة واشتقاقها.

التأويل الأسطوري

يسري عند عموم الناس. تستهوي الجماهيرَ القصصُ والخرافات، وقد حُشيت كتب التفسير بالإسرائيليات. تُروى ثم يقال إنها ضعيفة، لكنها تعلق في الأذهان فيُعترض بها على الدين.

التكلّف في التعليل

يُضاف إلى النوعين المذكورين تكلّفٌ ثالث: العقلانية المفرطة التي تردّ كل شيء إلى أسباب مادية، وتهضم جانب الإيمان بالغيب والمنقلب، وتُظهر الجوانب المادية والمنافع المتوخّاة على حساب مراد الله. وهذا ظلمٌ لكتاب الله أيضاً، يحتاج إلى التخلّي عنه بالقدر نفسه.

٨

الوصل بالواقع

تأويل النص وربطه بمشكلات الناس

يعود تأويل النص في أحد معانيه إلى ربط القرآن بواقع المكلَّف. قرأ المسلم قصة موسى مع بني إسرائيل، وقصة موسى مع فرعون. كيف لا يكون ثمة وصلٌ بين ما قرأ وبين واقعه المعاصر، وبين الشبهات والشهوات التي يتعرّض لها؟ ما فائدة القرآن إن حُشيت به الأدمغة دون أن يُقدَّم حاكماً على الحياة؟

يقول ربنا: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ». استعمل أقوى المؤكدات وأقوى الصيغ الدالة على تأكيد هذه الحقيقة. ثم نبحث نحن اليوم عن من هو أشد عداوة، ويظهر من أهل العلم من يُجادل في هذا وينشر خلافه.

ينبغي أن يُقدَّم التفسير بأسلوب واضح يُناسب قدرات المخاطَبين وملكاتهم مع تفاوتها، ويصلهم بمشكلاتهم المستجدة. فإن ألمّت بالناس فتنة، فما الذي يُبيّن لهم كيفية الخلاص منها سوى كتاب الله؟ فإن لم يفعل ذلك أهل العلم فمن يفعل؟

خلاصة المنهج — ثمانية وجوه

١

تذوّق حلاوة كتاب الله والانتقال من اليقين النظري إلى الشعور الحقيقي بالإعجاز.

٢

التعريف بالمقاصد العليا للقرآن الكريم وفق تصنيف ابن الزملكاني الرباعي.

٣

استحضار مقاصد السورة وموضوعاتها عند النظر في آياتها والانتقال بين موضوعاتها.

٤

العناية بالتناسب والنظم بين الآيات والسور ومطالع السور وخواتيمها.

٥

معرفة غريب القرآن ومفرداته دون الاقتصار عليها، والارتقاء إلى بيان المعنى الكلي.

٦

تذوّق الخصائص البلاغية: لماذا جاءت هذه المفردة دون غيرها، ودلالات التراكيب.

٧

ربط النص بواقع المكلَّف فرداً ومجتمعاً وأمّة، وبالشبهات والشهوات المستجدة.

٨

التجرّد من التأويل الحداثي الزائغ، والأسطوري الخرافي، والعقلانية المفرطة.