قراءة في قوله تعالى «وما أبرّئ نفسي إنّ النفس لأمّارةٌ بالسوء»، وتأسيسٌ لتزكيةٍ لا تَقف عند الذكر بل تمتدّ إلى ميدان الإصلاح
محاور العرض
يُدرك القارئ حاجة العالم اليوم إلى منهج التزكية في ظلّ انتهاك المقدّسات وإزهاق الأرواح والعدوان على القيم
يعي أنّ أصل الخلل في النفس الأمّارة بالسوء لا في الشيطان وحده، وأنّ التزكية واجبٌ يتعلّق به الفلاح
يتدبّر قوله تعالى «وما أبرّئ نفسي» بوصفه بدايةً صحيحة تقوم على الاعتراف بعدم الكمال
يقف على أدوات التوكيد الثلاث في الآية: «إنّ» واللام وصيغة المبالغة، ودلالتها على ثبات هذه الحقيقة
يستوعب جناحَي التزكية: التخلية من الأمراض الباطنة، والتحلية بالطاعات والكمالات
يجمع بين السعي والتوفيق، فالمدد ربّاني ولا يُنال إلا ببذل السلوك وجهاد النفس
يتبيّن أنّ التزكية لا تُبنى إلا على علم، ويَنقد التهاون بالعلم عند بعض السالكين
يعرف أنّ ثمرة التزكية أثرٌ في الميدان لا اعتزالٌ دائم، من دار الأرقم إلى آفاق الأرض
ضرورة اللحظة
يحتاج العالم اليوم إلى إدراك منهج تزكية النفس والعمل به أكثر من أيّ وقت مضى. ترون ما يحدث من تعدٍّ على المقدّسات وانتهاك للحرمات وإزهاق للأرواح ودوس على القيم والأخلاق. ظهر ذلك في طوفان الأقصى، وفي الحرب الدائرة اليوم، وفي جزيرة إبستين وما كُشف فيها، وهو نتاج الفكر الغربي المادّي العلماني الذي يعبد المادّة ولا يؤمن بالآخرة.
يَبلغ الطغيانُ ببعض قادة هذا الفكر درجةَ التعدّي على الذات الإلهية، حين يُصرّح أحدهم بأنّه ليس فوقه شيء ولا يخرج شيءٌ عن إرادته. يُقابل هذا الفكر في جانب آخر مَن يَدّعي الإسلام ويدور في فلكه، فيُمجّد الباطل ويُؤيّد الفساد، ولا يُبالي بمدّ يد العون — ماديّاً أو معنوياً — لمن يقتل الأطفال في المدارس، والنساء في الملاجئ، والرجال في المساجد، والأطباء في المستشفيات، ثم يدّعي أنّه على صواب.
يعود المشكل إلى هذه النفس الأمّارة بالسوء التي تَدعو إلى الباطل، أو تُصبح محلّاً لوسوسة الشيطان لينقاد صاحبها إلى الكفر والفساد. هنا مكمن الابتلاء؛ خلق الله الإنسان وأعطاه الإرادة فحرّية الاختيار: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا».
وجوب التزكية
عَلّق الله سبحانه الفلاح على تزكية النفس وعلّق الخيبة على تدسيتها، فقال: «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا». أمرٌ يتعلّق به الفلاح، وطلبُ الفلاح واجب، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب. تتبيّن أهمية الأمر من استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من شرّ هذه النفس، إذ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من شرّ نفسي وشرّ الشيطان وشركه»، فذَكَر شرّ النفس قبل شرّ الشيطان.
يَخْتَلف أهل العلم في قائل هذا النصّ: أهو يوسف عليه السلام، أم امرأة العزيز، أم العزيز نفسه؟ مهما كان القائل، فالنصّ يَكشف عن المنهج القرآني في تزكية النفس. بَعد إدراك أهمية التزكية ومعرفة حكمها الشرعي يأتي الدور على إدراك هذا المنهج نفسه لمعرفة أنواع النفس وكيفية التعامل معها.
ينطلق النصّ من اعتراف الإنسان بعدم الكمال، وهذا ضروريٌّ لإصلاح الخلل والسعي إلى الكمال قدر الطاقة، فالإنسان مجبول على الخطأ والنسيان.
الاعتراف بالنقص
قال بعض أهل العلم: سُمّي إنساناً لنسيانه، مستندين إلى قوله تعالى: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»، وقيل لأنسه. يَبدأ الإنسان المسار الصحيح حين يُقرّ بهذه الجبلّة، فتَفتح له طريقَ إصلاح النفس وسدّ خللها وعلاج أمراضها وترقيتها في الكمالات.
ولستَ وإن برّأتَ نفسك خالصاً|من الذنب والدعوى إليه ذرائع
أنَلزمها الأشرار والداء كامنٌ|ونَشترك فيه والسمّ ناقع
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
يقول العقلاء: «وما أبرّئ نفسي». يبدأ السؤال بعد ذلك، فيُجاب بقوله تعالى: «إنّ النفس لأمّارة بالسوء». تَنظر في هذا النصّ الذي ابتُدئ بأقوى أدوات التوكيد لدفع الشبهة وإثبات الحقيقة، فتتبيّن بنية الخطاب القرآني في معالجة هذا الشأن الجليل.
تحليل الآية
تتجلّى قوّة النصّ القرآني في تأكيد هذه الحقيقة بأدوات ثلاث متتالية، توضع كلّ منها فوق الأخرى لتقرير المعنى تقريراً لا يَدع مجالاً للشكّ:
قال «بالسوء» أيْ: ما يَسوء الإنسان في معاشه ومعاده، لا في معاده فحسب بل حتى في معاشه. من لم يَتزيّن بكمالات النفوس يكون مُزدرى عند الناس، فحياته الدنيا تشقى قبل أن تشقى آخرته. كمالات النفوس هي التي ترتقي بالإنسان في المنزلتين.
قال سبحانه «النفس» بالتعريف، والمقصود هذه النفس المعروفة. ثمّة خلط في كتب أهل العلم بين الروح والنفس، ولا مجال للحديث عنه هنا، يُرجَع إليه في مَظانّه. يَبقى أنّ الأصل الذي ينطلق منه المنهج التربوي في تزكية النفس إثبات هذه الحقيقة الجبلية بقوّة النصّ لا بالإنكار ولا بالتقليل.
جناحا التزكية
تتناول التزكية جانبين متلازمين، يَفقد أحدهما أثره إن لم يَصحبه الآخر. لا يكفي إزالةُ المرض دون غرس الصحّة، ولا يكفي الحرصُ على الفضيلة مع بقاء الأدواء الباطنة:
السعي والتوفيق
أتى الاستثناء في الآية ليُقرّر حقيقةً متمّمة: «إلا ما رحم ربي». يدلّ هذا على أنّ التوفيق لسلوك منهج التزكية وتحصيل أثرها إنّما يكون بعون من الله عزّ وجلّ. يُنبّه هذا المعنى السالكَ إلى ألّا يغترّ بجهده، ولا يَنسى أنّ المدد من فوقه.
لا يَعني هذا أن ينتظر المرءُ المددَ دون أن يَسعى، بل عليه أن يَسلك طريق التزكية كما قال تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»، وقال: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ». تَأمَّلْ كلمةَ «اهتدوا»؛ فعلٌ مطاوع للفعل «هدى»، فالله هدى الإنسانَ ببيان طريق الحق، فسَلك الإنسانُ هذا الطريق، فعَرَضَ نفسه لرحمة ربّه.
«اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها». يسأل العبد ربّه أن يُعينه على شرّ نفسه، وأن يُوفّقه للتزكية السليمة، وأن يُعيذه من الحور بعد الكون ومن سوء الخاتمة.
شرط العلم
يجب أن تكون التزكية بعلم، وهذا هو المنهاج القرآني. يَتهاون كثيرٌ من السالكين في هذا الطريق بشأن العلم، بل ربما شنّ بعضهم حملةً على الفقهاء والمتعلّمين وهو يَدّعي أنه يسلك منهاج التزكية، ومخالفته لمنهاج القرآن ظاهرة.
حين ذَكر الله قصّة موسى عليه السلام مع ذلك الرجل الذي آتاه رحمةً من عنده، لم يَقف الأمر عند الرحمة، بل أضاف إليها: «وعلّمناه من لدنّا علماً»؛ مع الرحمة علمٌ لدنّي. وحين ذَكَر إنزال القرآن وخلق الإنسان قال: «عَلَّمَهُ الْبَيَانَ». وحين ذَكَر قصّة آدم قَرَنها بالعلم الذي آتاه الله إياه، وأمر الملائكة بالسجود له تكريماً، «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا».
لا يَصحّ التهاون بشأن العلم، سواء كان علماً بالله وما يجب الإيمان به من أمور الغيب، أو كان علماً بالحلال والحرام. مع نقص العلم بالله تَقع الخرافات ويَنزلق السالك إلى شطحات تُخرجه من الإسلام. مع نقص العلم بظاهر الشريعة والفقه يَقع في المعاصي دون أن يَشعر، والجهل ليس عذراً.
سلوك طريق العابدين بعرفانه
يلذّ لأرواح المحبّين دنوها
بإيمانه من العلم أعلام لها ودلائل
ومن همّه شمّا ومن العزم ظهرانها
التزكية في الميدان
لا تَكون التزكية لأجل الاعتزال في مكان دائماً وأبداً مع ترديد أذكار معيّنة وكأنّها هي الغاية. يجب أن يكون للتزكية أثرٌ في الميدان؛ هكذا ربّى القرآن أتباعه، فكانت تتنزّل الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم ليُربّي عليها الصحابة، فتَتزكّى نفوسهم وتَستقيم سلوكهم، ثمّ يخرجون من دار الأرقم ومن مواقع التربية إلى آفاق هذا الكون مُجاهدين في سبيل الله رافعين كلمة الحقّ.
حَمَل الصحابة رضوان الله عليهم هذه الراية، ومن بعدهم الشراة. ظُلموا في التاريخ بطائفة طويلة حين رُموا بأنهم خوارج، لكن منهم من خرج جهاداً في سبيل الله، لا انتصاراً لنفسه. نُدين التطرّف والإرهاب أيّاً كان، ونتحدّث هنا عن التيّار الذي طبّق التزكية وما انتصر لنفسه، وإنّما خرج جهاداً في سبيل الله.
تَعلمون يا أهل المدينة أنّا لم نخرج من ديارنا أشَراً ولا بَطَراً ولا عبثاً ولا لهواً، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منّا. ولكنّنا لمّا رأينا مصابيح الحقّ قد أُطفئت، ومعالم العدل قد عُطّلت، وعُنّف القائل بالحقّ، وقُتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت. ثمّ سمعنا داعياً يَدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعيَ الله، ومن لا يُجب داعيَ الله فليس بمُعجز في الأرض. فأقبلنا من قبائل شتّى، النفر منّا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم يتعاورون لحافاً واحداً.
وَصف أحمد أمين في كتاب «ضحى الإسلام» هذا الجيل بأنّه كان فيه كلّ العناصر التي تُكوّن الأدب: عقيدةٌ راسخة لا تُزعزعها الأحداث، وتحمّسٌ شديد لها تَهون بجانبه الأرواح والأموال، وديمقراطية حقّ لا تَرى الأمير إلا كأحدهم ولا العظيم إلا خادمهم. رَسَم لهم القرآن طريقاً ينبغي أن يَسلكوه رسماً مستقيماً واضحاً لا عوج فيه ولا غموض.
تزكيةٌ على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى شامل، وتوازنٌ كما جاء في حديث الرهط: «فمن رغب عن سنّتي فليس مني»، وفي الآخر: «إنّ لربّك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً».
ما يحمله القارئ
يحتاج العالم إلى منهج التزكية في ظلّ انتهاك المقدّسات وطغيان الفكر المادّي العلماني وصمت من يدّعي الإسلام
عَلّق الله الفلاح على تزكية النفس وعلّق الخيبة على تدسيتها، واستعاذ النبي من شرّ نفسه قبل شرّ الشيطان
يَنطلق النصّ القرآني من الاعتراف بعدم الكمال: «وما أبرّئ نفسي»، بدايةً صحيحة لكلّ سعي إلى الإصلاح
تَتجلّى قوّة الآية في ثلاث أدوات توكيد: «إنّ» واللام وصيغة المبالغة، فتترسّخ الحقيقة ثلاث مرّات متتاليات
تَقوم التزكية على جناحَي التخلية والتحلية؛ تَطهيرٌ من الأمراض الباطنة، ونموٌّ بالطاعات والكمالات
يَتكامل السعي والتوفيق؛ «إلا ما رحم ربي» يُعلّم التواضع، والعبد يُعرّض نفسه لرحمة ربّه بسلوكه لا بانتظاره
لا تزكية بغير علم بالله وبظاهر الشريعة، والتهاون بالعلم عند بعض السالكين مخالفٌ لمنهاج القرآن
تَنتج التزكية أثراً في الميدان كما خرج الصحابة من دار الأرقم إلى آفاق الأرض، وكما خرج الشراة بكلمات أبي حمزة الشاري