مداخلة من وزارة التعليم تُعيد تعريف علاقة المتعلّم بالقرآن من مجرّد معارف وسلوكات إلى وعي متكامل بالكون والإنسان والحياة
محاور الطرح
يتبيّن القارئ الفجوة بين ما تسعى المناهج إلى تحقيقه من قيم، وبين الواقع السلوكي الذي يعيشه الطالب في مراحل التعليم
يدرك النقلة المنهجية المطلوبة من مفهوم التعليم إلى مفهوم تكوين الوعي بالقرآن منهجاً للحياة
يعي البعد الإبستمولوجي بوصفه إدارةً للمعرفة وتأطيراً لها ضمن مرجعية القرآن
يتعرّف على مشروع إسماعيل الفاروقي في أسلمة المعرفة، وتبنّي الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا له
يستوعب البعد المقاصدي الذي ينقل المتعلّم من حفظ الحكم إلى فهم الحكمة
يفهم البعد الأخلاقي القيمي بوصفه توطيناً للقيم في برامج عمل يومية لا شعاراتٍ مجرّدة
يعرف خطورة ترك الطالب لساعات طويلة مع الخوارزميات دون حصانة ذاتية قرآنية
يطّلع على آليات التفعيل: المنهج الخفي، والمشاريع البحثية، والتعلّم القائم على التساؤل
تشخيص الواقع
تتطلّع المجتمعات الإسلامية إلى أن يكون سلوك الطلبة متوافقاً مع ما يتعلّمونه من قيم ومبادئ وسلوكات حميدة في مناهجهم. يعرض الواقع المعاش مشهداً مختلفاً، تنتشر فيه سلوكات غير حميدة لا تتوافق مع القيم التي يُراد إيصالها إلى أبنائنا وبناتنا. لا يصحّ دسّ الرؤوس في الرمال والقول: نحن بخير والحمد لله؛ نحن بخير فعلاً، لكنّ واقعنا يحتّم علينا الإصلاح والاستمرار على الصواب وتقويم ما هو خطأ.
تتّسع الهوّة بين ما يُراد تعلّمه من قيم وأبعاد معرفية بالقرآن الكريم، وبين الممارسات السلوكية لدى كثير من الطلبة والطالبات. يصدق هذا التشخيص في المؤسسات التعليمية وفي مرحلة التعليم العالي وما بعد التعليم الأساسي، ولا يُعمَّم على الجميع، لكنّ هذه الظواهر السلوكية غير المرغوبة موجودة لا تخفى على عين من يراقب المشهد التربوي.
النقلة المفهومية
تقف أمامنا إشكالية بين أمرين: النظرةُ إلى المناهج الدراسية على أنّها أبعاد معرفية بحتة. تُولّد هذه النظرة سلوكاً تقف خلفه دوافع داخلية كردّ فعل، فكلّ معرفة يكتسبها الطالب تنعكس على سلوكه سلباً أو إيجاباً. المطلوب تحويل هذه المعرفة إلى وعي معرفي بالقرآن الكريم وبحقائقه.
الوعي إدراكٌ شامل لما يدور حول الطالب من قيم ومبادئ ومن حضارات، ونظرةٌ إسلامية إلى الكون والإنسان والحياة والمستجدّات والمعرفة ذاتها. يتحوّل هذا الوعي من مجرّد معارف وسلوكات إلى قيم ومبادئ، والقيم لا تتغيّر ولا تتبدّل باختلاف المواقف ولا الزمان ولا المكان. الصدق هنا هو ذات الصدق في فرنسا وأمريكا وأيّ بلد، والأمانة في كلّ مكان قيم عالمية أسّسها الإسلام.
تُؤصّل مناهجنا في شتّى العلوم مفهوم الوعي المعرفي بالقرآن الكريم؛ هو المنطلق الأساسي، ولا يخصّ مادّة التربية الإسلامية وحدها، بل يتكامل في كلّ المواد.
الأبعاد الثلاثة
ينبني الوعي القرآني الذي نسعى إلى تأسيسه في المناهج على ثلاثة أبعاد متكاملة، يُغذّي كلٌّ منها الآخر، ولا يصحّ الاكتفاء بواحد دون الاستناد إلى البقية:
إدارة المعرفة ونظرياتها وتطبيقاتها في واقع الحياة، وسبر أغوارها ونقدها نقداً يوافق القيم والمبادئ التي يؤمن بها المسلم
النظر إلى مقاصد الأحكام الشرعية ومقاصد الآيات القرآنية، لا إلى الحكم وحده، فالحلال بيّن والحرام بيّن، والمقصد يوحّد الخطاب
يُوطَّن في المناهج وفي السلوك وفي واقع الحياة، فيَتحوّل من شعار مرفوع إلى برنامج يومي يعاش
يعمل البعد الإبستمولوجي على أن يكون القرآن الكريم مصدراً للمعرفة الدنيوية والأخروية. أسّس لنظرية حديثة تُعنى بهذا الجانب العالمُ المسلم إسماعيل الراجي الفاروقي، فلسطيني وُلد عام ألف وتسعمئة وواحد وعشرين وتُوفّي عام ألف وتسعمئة وستّة وثمانين، انتقل إلى الولايات المتحدة ووضع نظرية أسلمة المعرفة وكافح لإخراجها وتطبيقها، وتبنّتها الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في باب أسلمة المعارف.
البعد الإبستمولوجي
يتضمّن البعد الإبستمولوجي عدّة عناصر مترابطة. أوّلها التكامل المعرفي: وعيٌ بأنّ القرآن الكريم ليس منفصلاً عن العلوم الكونية، وإنّما هو الإطار الموجِّه لها. متى ما أدرك مؤلّف المنهاج وصانع المحتوى أنّ القرآن وعاءٌ يجمع هذه العلوم ويُؤطّرها تأطيراً صحيحاً، أثّر ذلك في نفسية الطالب وفي سلوكاته.
يُنظَر إلى القرآن الكريم بوصفه حجّةً وبرهاناً، ويُدرَّب الطالب على منطق الاستدلال به. كيف يبني القرآن الحجّة في الحوار وفي المناقشة وفي المحاضرة؟ لا نكتفي بحجج تُبنى على واقع عقلي أو مشاهد فحسب، بل نُضيف إليها الحجّة اليقينية المنطلقة من النصّ الذي هو حجّةٌ على جميع الخلق.
البعد المقاصدي
يقوم البعد المقاصدي على فلسفة الغايات. ما الغاية من الحكم؟ ما الغاية من الآية؟ لماذا جاءت في هذا الموضع وبهذه الصياغة؟ ما تفسيرها وأسسها؟ كيف نُنزّلها على واقع حياتنا وسلوكاتنا؟ فَهْم المقصد من النصّ ينقل المتعلّم من مرحلة حفظ الحكم إلى مرحلة فهم الحكمة، فلا يقف عند ظاهر التكليف.
لماذا شرع الله هذا؟ ولماذا أصّله؟ ولماذا أطّره بهذه الأطر؟ حين يتربّى الطالب على هذه الأسئلة، يستقرّ في ذهنه أنّ الشريعة منظومة حكيمة لا جمع تعليمات جافّة.
يمتدّ البعد المقاصدي إلى الوعي بالسنن الكونية، ويتحقّق ذلك بتعلّم القوانين التي تحكم المجتمعات، كسنّة التغيير والتدافع والتداول، من خلال القصص القرآني. يتحوّل القصص عند المتعلّم من حكاية تُروى إلى قراءةٍ لقوانين الاجتماع البشري، فيتدرّب عقله على قراءة الواقع قراءةً قرآنية.
البعد الأخلاقي
يُمثّل البعد الأخلاقي القيمي معرفةً سلوكية تتحوّل من مجرّد معارف إلى وعي حقيقي بالسلوك، بناءً على القيم التي يؤمن بها الطالب ممّا يُبثّ في المناهج الدراسية. ترتبط المعارف بالوعي، ثمّ يرتبط الوعي بالقيم، ثمّ تُترجَم القيم إلى سلوكات وأخلاقيات.
يتكامل البعد الأخلاقي بإضافة الهوية المعرفية المبنيّة على حصانة ذاتية لدى الطالب، تجعله قادراً على غربلة الأفكار الواردة بناءً على معايير القرآن. تَبرز هذه الإشكالية اليوم واضحةً جليّة، فما يأتي من خارج لا يُؤطَّر بأطر قرآنية ولا يُحاكَم بمعايير قرآنية، فتتباعد سلوكات المتعلّم عمّا يريده الله في كتابه بسبب غلبة الشهوات والغرائز والرغبات.
يصعب على أيّ وليّ أمر فرضُ رقابة دائمة على ابنه. الممنوع مرغوب، ونفرح حين يجلس أبناؤنا ساعات طويلة في غرفهم مغلقة، بينما هم يتعاملون مع عالم الإنس والجنّ لا نعرف ما يُبثّ فيه من أفكار وسموم. تُغرَس المخافة من الله في ذات الطفل، فيُصبح معياره القرآني حاضراً في كلّ لحظة، يعرف الحلال والحرام ويعرف مقصدهما وأثرهما على السلوك والمجتمع.
نموذج المصفوفة
تُقدَّم للمطوّرين قائمةٌ مبسّطة تقوم على جزئيات من هرم بلوم — الفهم والاستيعاب والتركيب والتقويم — مع إعادة تأطيرها ضمن البناء القرآني:
فلسفة المناهج الدراسية في كلّ أرجاء العالم، في المرحلة الأساسية أو الجامعية، نهايتها بناء الإنسان الصالح؛ ومن هذا المنطلق نقرأ ما سواها.
آليات التفعيل
لا يكفي وضع المصفوفة على الورق، فالتفعيل يمرّ بعدّة آليات يتكامل بعضها مع بعض في ميدان التربية العملية:
سلوك المعلّم وإدارة المدرسة، لا الكتاب وحده. المعلّم قدوة، وأكثر ما يتعلّق به الطالب أثرُه فيه إن صلح أو عكسه، وللإدارة دور أساسي في بناء منهج خفيّ يتتلمذ عليه الطالب
تأخذ هذا الجانب نادراً مع الأسف، إذ تُدرَس عادة الظواهر العلمية أو التحديات الفكرية، دون التفات إلى السلوكات المرتبطة بالآيات القرآنية. تُوجَّه هذه القضايا الاجتماعية بمقاصد قرآنية توجيهاً علمياً صحيحاً
تشجيع الطلاب على طرح أسئلة عميقة ضمن المقاصد القرآنية، بدلاً من الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. المعمول به اليوم في كثير من المدارس استجوابٌ بصيغة تربوية جديدة، لا حوارٌ ولا مناقشة
ما يحمله القارئ
تتّسع هوّة بين ما تسعى إليه المناهج من قيم وبين سلوكات المتعلّم؛ ولا تُحلّ هذه الهوّة بإنكارها أو بتعميمها
تنتقل الرسالة المطلوبة من مفهوم التعليم إلى مفهوم تكوين الوعي بالقرآن بوصفه منهاج حياة، في كلّ المواد لا التربية الإسلامية وحدها
ينبني الوعي القرآني على ثلاثة أبعاد: إبستمولوجي في إدارة المعرفة، ومقاصدي في فقه الغاية، وأخلاقي قيمي في توطين القيم
أسّس الفاروقي لنظرية أسلمة المعرفة، وتبنّتها الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، فصار القرآن إطاراً للعلوم لا مقابلاً لها
ينقل البعد المقاصدي المتعلّم من حفظ الحكم إلى فهم الحكمة، ومن حفظ الشريعة إلى قراءة السنن الكونية في القصص القرآني
يُوطَّن البعد الأخلاقي بتحويل المفهوم المجرّد إلى برنامج عمل يومي، وبناءِ رقابة ذاتية تغني عن المراقبة الخارجية
تُمكِّن مصفوفة المخرجات مطوّرَ المنهج من صياغة المعنى، واستنباط القواعد، ونقد الظواهر، وتحليل أثرها تربوياً
تتكامل آليات التفعيل: منهج خفيّ عبر المعلّم، ومشاريع بحثية تربط بالقرآن، وتعلّم قائم على التساؤل لا على الاستجواب