محاضرة الأستاذ داود أبو سنان — قراءة في مشاهد الشقاء والسعادة، والصلة بين التلاوة والتدارس والعمل
محاور الوقوف
يدرك منهج الجمع بين تلاوة القرآن وتدارسه، ويتبيّن الفارق بين الاقتصار على التلاوة والارتقاء إلى العلم
يعرف السكينة بوصفها ثمرة غيبية تنزل في لحظات الضيق، ويلمس موضعها في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي صلح الحديبية
يستحضر عظمة القرآن وعزّته ومجده، ويتيقّن أن هدايات الآيات يدركها الأشقياء بعد فوات الأوان
يعي أن استكبار العبد عن الآيات هو أصل الشقاء في كل موقف من مواقف القيامة، وأن الإيمان بها أصل السعادة
يتبيّن أن الإعراض عن اللغو باب من أبواب الخشوع في الصلاة، وسبيل إلى خفوت القلب لذكر الآيات
يقارن بين مشاهد السعداء ومشاهد الأشقياء في الحشر من جهة النور والسماع والمسافة والفزع والبشرى
يفهم أن مشاهد الآخرة تتضمّن قواعد عمليةً للمؤمن، لا صوراً تُستحضر ثم تُترك
يربط التوبة بالإيمان والاستقامة، ويُدرك أن الشقيّ يُعلن توبته حين لا تنفعه توبة
المنهج القرآني
يقرّر النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف منهجاً واضحاً في التعامل مع كتاب الله، يقوم على الجمع بين أمرين لا يستقيم أحدهما بغير الآخر: التلاوة والتدارس، فقال عليه الصلاة والسلام: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم». انتشرت التلاوة بحمد الله في أوساط المسلمين، وبقي التدارس ضعيف الأثر قليل الحضور، وعلى فقده تُفسَّر كثير من ظواهر ضعف الصلة بين الأمة وكتابها.
تبني الآية الكريمة الربانية على شرطين متلازمين: تعليم الكتاب ودراسته، ولم تقل «تتلون»، لأن الاقتصار على التلاوة لا يكسب صاحبها علم القرآن. يلفت هذا المعنى إلى أن التلاوة قد ترد في سياق مذموم في كتاب الله نفسه، حين تُثبَت للظاهر ويُنفى عنها العلم، كما في قوله تعالى: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ»، وفي حكاية خلاف اليهود والنصارى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ... وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ».
يجمع الحديث النبوي بين مبدأين: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». يفرض هذا التوجيه أن تقترن التلاوة بالسعي في فهم المعاني، وأن يتحرّى القارئ ما غمض عليه، ويُكثر من سؤاله عن إحكام الآيات كما أُمر نبيه بقوله: «وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا».
الثمرة الغيبية
يَعِد الحديث النبوي المتدارسين بثمرات أربع: نزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة، وذكر الله لهم فيمن عنده. قد يُتبادر إلى الذهن أن السكينة طمأنينة عامة تحصل في مجلس التدارس، وهي كذلك، غير أن القرآن يكشف عن معنى أوسع: السكينة طمأنينة يمنّ الله بها على المؤمنين في الأحوال المخوفة، والظروف الحالكة، حين يشتدّ الخطر ويضيق المسلك.
تستحضر سورة الفتح أجواء صلح الحديبية، حين بدت المعطيات في ظاهرها في صالح المشركين، فبعث ذلك في النفوس خوفاً، فنزلت السكينة لتُسكّن القلوب وتبشّرها بالفتح القريب. وفي سورة التوبة، يتجلّى الأثر ذاته في أشدّ ليالي الهجرة حرجاً، حين احتبس النبي وصاحبه في غار ثور والمشركون على مقربة منهما.
تُجنى ثمار الجمع بين التلاوة والتدارس في مستقبل الأيام، حين تستقبلنا الضراء فنحتاج إلى ما يُثبّت القلب؛ والسكينة ثمرة لا تُقدَّر بثمن.
هيبة الوحي
يصف القرآن نفسه بأوصاف ترفع من شأنه وتبعث على تعظيمه، فجاءه النعت بالعِظَم في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ»، وبالمجد في مطلع سورة «ق»: «ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ»، وبالعزّة في سورة فصّلت: «وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ۙ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ».
يدعو هذا كلّه القارئ إلى استشعار عظمة القرآن في كل حين، فما دام الشعور حاضراً ظلّت الصلة وطيدة، فإذا انخفض منسوب هذا الاستشعار انعكس ذلك حتماً على العلاقة بكتاب الله. يُقرّر القرآن أن قيمته ستدركها البشرية بأسرها، غير أن الأشقياء يُدركونها حين لا ينفعهم الإدراك.
يلاحَظ في قوله «وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» إطلاق الآيات دون تخصيصها بقرآن أو توراة أو إنجيل، فتنطبق على كل كتاب أنزله الله، ليتقرّر أن الأشقياء في كل أمّة سببُ شقائهم واحد، وأن الخطاب يعمّ ولا يخصّ.
ثبات السبب
يتتبّع المتدبّر مواقف الأشقياء في مشاهد القرآن، فيجد السبب ذاته مطروحاً في كل موقف، لا يتبدّل ولا يُنسى. يتوجّه السؤال إليهم عند الموت، وعند الحشر، وعند أبواب جهنم، وفي قعرها، وفي كل مرة تُقرَع آذانهم بإجابة واحدة: كذّبوا بالآيات وأعرضوا عنها.
«وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ۞ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا»
«بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ»
«أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا»
«أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ»
يُقابَل ذلك بطرف السعداء، فإذا سبب سعادتهم ثابتٌ بدوره: الإيمان بالآيات والإسلام لها. ينادي الله عباده المتّقين في سورة الزخرف فيقول: «يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ۞ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ۞ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ»، فيظهر الميزان واضحاً: بابٌ واحد إلى السعادة، وبابٌ واحد إلى الشقاء، والآيات فيصلهما.
من قواعد السعادة
يتحدّث القرآن عن نعيم الجنة فيُفاجئ القارئ بنعمة ليست مادية، بل سمعية محضة: انتفاء اللغو. يقول تعالى في سورة الغاشية: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ۞ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ۞ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ۞ لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً». يتقرّر من هذا معنى عميق: يقترب المرء من السعادة في الدنيا بقدر إعراضه عن اللغو، ويبعد عنها بقدر انشغاله به.
يؤكّد القرآن هذا المعنى في خمسة مواضع تبيّن انتفاء اللغو مطلقاً من نعيم الجنة، بخلاف الدنيا التي يعرض فيها المؤمن للغو رغم حرصه، ومن هنا يُرشده الله إلى طريق النجاة: «وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ». ثمّ يعود السياق إلى أعدائه، فيكشف أن الكفرة اتخذوا اللغو سلاحاً يصدّون به عن سماع القرآن: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ».
تتناول الغيبة ذكر الغائب بما يكره، أما اللغو فأعمّ وأوسع: يشمل كل كلام لا يفيد، ومناوشة كلامية، وجدالاً عقيماً، ومهاترة لا طائل منها. يدعو القرآن إلى اجتناب هذا كله، لأنه يُضيّع العمر ويسلب القلب خشوعه.
يبلغ هذا المعنى ذروته في سورة الفرقان حين يرتبط الإعراض عن اللغو بأثر الوحي في القلب: «وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ۞ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا»، فمن أراد أن تدمع عينه من القرآن فليراقب ما يدخل سمعه أولاً.
مشاهد الآخرة
يتكرّر بعض المشاهد في القرآن فيحسبه الحاسب إطناباً، والحقّ أن كل إعادة تحمل إضافة نوعية، وكل تقديم أو تأخير يكشف معنى جديداً. يعرض المشهد المتكامل من خلال المقارنة بين ما يجده السعداء وما يلاقيه الأشقياء، في خمسة وجوه تُقيم الفرق بين الفريقين إقامة قاطعة:
يتكامل مشهد نور المؤمنين عبر ثلاث سور: تذكر سورة الحديد النور والبشرى من غير قائل، وتضيف سورة التحريم التوبة وتربطها بالإيمان، وتكشف سورة فصّلت القائل بالبشرى وتضيف الاستقامة: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ». تجتمع من السور الثلاث قاعدة: إيمان وتوبة واستقامة.
مشاهد الآخرة في القرآن ليست صوراً تُستحضر ثم تُترك، بل قواعد يتعلّمها المؤمن من ديانته: في كل مشهد حقيقة، وفي كل لقطة قانون.
قيمة العمل
يقرن القرآن الإيمان بالعمل الصالح قرناً محكماً في قصار السور، فيقول في العصر: «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۞ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ». قد يتوهّم بعضٌ أن الإيمان لا يشترط فيه العمل، فيأتيهم إدراك الحقيقة في لحظات الموت، حين لا يفيد الإدراك، وتتكرّر الصيغة ذاتها على ألسنة الأشقياء في خمسة مواضع:
«حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۞ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ»، يطلب الرجوع من أجل العمل، لا من أجل القول، فالقول سبق منه وادّعاه.
«وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا»، العبارة لا تتغيّر، والطلب نفسه يتكرّر.
«فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ»، يطلبون العودة إلى الدنيا التي نحن فيها، ماذا نفعل؟
«وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا»، يطلبون الخروج من النار للرجوع إلى الدنيا، فيأتيهم التذكير بأعمارهم: «أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ».
التوبة والاستقامة
يُضيف المشهد في سورة النساء بعداً آخر إلى ما تقرّر في سورة المؤمنون، فيَذكر طلب التوبة في لحظة الاحتضار: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ». يتكامل المشهدان فيتبيّن أن الشقيّ يريد العمل الصالح، ويريده قائماً على التوبة لا على الإصرار على المعصية.
قد يَتصدّق المرء ويُكثر، وهو مُصرٌّ على السرقة، فلا يُجدي منه عمل صالح بُني على معصية مستمرّة. أساس الأعمال الصالحة التوبة النصوح، فمن لم يتب قبل موته أعلنها بعد الموت إعلاناً لا يُجدي: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ».
يربط الحقّ سبحانه التوبة بالاستقامة ربطاً لا انفكاك فيه، فمن لم يستقم فلم يتب في الحقيقة. تتكامل من هنا الثلاثية التي تتردّد في مشاهد السعداء: إيمان، وتوبة، واستقامة؛ بها يُقبل العمل، وعليها تنزل السكينة، وإليها ينتهي نور يسعى بين الأيدي وبالأيمان.
من قواعد التعامل مع كتاب الله تأمّل كل كلمة منه، فالمواضع التي يظنّها القارئ بعيدة عن همّه، قد يُفاجأ فيها بحقيقة تخصّه وتُغيّر منهجه.
ما يحمله القارئ بعد الدرس
التلاوة من دون تدارس تلاوةٌ ظاهرة، ولا تُكسب صاحبها علم القرآن الذي أمر الله به في قوله: «كُونُوا رَبَّانِيِّينَ»
السكينة ثمرة غيبية وعدٌ بها المتدارسون في الدنيا، وتنفعهم في الأحوال المخوفة قبل أن تنفعهم في مجالس الذكر
عظمة القرآن حقيقة يدركها الجميع، فإن أدركها العبد في حياته نجا، وإن تأخّر أدركها حين لا ينفع الإدراك
سبب الشقاء ثابت في كل موقف من مواقف الآخرة: استكبارٌ عن الآيات، وسبب السعادة ثابتٌ كذلك: إيمانٌ بها وإسلام لها
الإعراض عن اللغو باب من أبواب الخشوع، ومن سلك الطريق إليه وجد أثر القرآن في قلبه دمعاً وخوفاً وخشية
مشاهد القيامة تتضمّن قواعد عملية، ومقارنات السعداء والأشقياء تُقيم فروقاً في النور والسماع والمسافة والفزع والبشرى
يُدرك الأشقياء قيمة العمل في خمسة مواضع متعاقبة، وتتكرّر عبارتهم دون تغيير: «فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا»
التوبة أساس الأعمال، ولا تقوم توبة من دون استقامة، فإن اجتمع الإيمان والتوبة والاستقامة قُبل العمل ونزلت البشرى