جزرٌ صغيرة تُقتطع من بحر القرآن الزخّار؛ مفاهيم يرتكز عليها بناء الإنسان، وتنمو في رحابها الأمم، ويقوم عليها المشروع الحضاري للأمة
يقدّم هذا الدرس تسعة مفاهيم قرآنية مركزية؛ ليس بوصفها مصطلحات معجمية تُحفظ، وإنما أُطراً إدراكية تعيد تشكيل وعي الإنسان وعلاقته بذاته ومجتمعه وأمته
تتبيّن الفرق بين حفظ القرآن والتفاعل مع مفاهيمه التي لا حدود لتطبيقاتها
تستوعب جوهر التزكية بوصفه انتقالاً من العبادات الصغرى إلى العبادة الحقيقية لله
تميّز بين وجهَي الإحسان: الزيادة في الكمّ، والإتقان في الكيف
تُدرك لماذا تبدأ النهضات الحضارية كلّها بسؤال، وكيف يكسر التساؤل الجمود الفكري
تستكشف أبعاد المسؤولية الثلاثة في علاقة المسلم بنفسه وبربه وبالناس
تفهم مفهوم المدافعة بوصفه صراعاً مقيّداً بالحق والعدل، لا منفلتاً من الأخلاق
تُميّز بين إنتاج النماذج المتفوقة والاكتفاء بترويج الأفكار المجرّدة
تستوعب أثر النظرة المستقبلية في ضبط الحاضر وعدم ضياعه في ردود الأفعال
تتعلّم منهجية إدارة الاختلاف وتحويل التعارض إلى ثراء وتكامل
تتوسّع في مفهوم القوة الشاملة: عسكرية وفكرية ومؤسسية وصناعية
يبدأ الدكتور بكّار بتقرير حقيقة جوهرية: القرآن الكريم دستور الأمة ومرجعيتها، وهو الذي يُضيء مسارها وسيرها إلى الله في الحياة الخاصة والعامة؛ أكرم الله هذه الأمة بنزوله وأكرمها بحفظه، فصارت الأمة الوحيدة التي تحفظ كتابها عن ظهر قلب، من غير اختلاف في ضمّة ولا فتحة ولا كسرة.
يروي الدكتور بكّار حواراً جرى في لويزيانا سنة ١٩٨٦ بين القسّ الأمريكي الشهير جيمي سواغارت والشيخ أحمد ديدات رحمه الله؛ حين قال سواغارت: "أنتم تقولون الإنجيل محرَّف، ولدينا أربعةٌ وعشرون ألف مخطوطة للإنجيل، أيُعقل أن تكون كلها مزوّرة؟" فأجابه الشيخ أحمد بفطنته: "أتحدّاك أن تأتي بمخطوطتين تتطابقان؛ فكلّ مخطوطة تقول للأخرى: أنا صادقة وأنت كاذبة".
ينتقل المحاضر إلى السؤال المركزي: ما المفهوم؟ يُعرِّفه تعريفاً مكثّفاً:
المفهوم إطارٌ إدراكيٌّ يحتوي على شبكةٍ من المعلومات التي تُصوّر الواقع كما هو عليه، وكما نفهمه ونعرفه
حين يُقال "مفهوم العدل"، فليس المقصود كلمة معجمية، وإنما شبكة كبيرة من المعاني تتراكب وتتشعّب: العدل الكامل، والعدل الناقص، ومَن يقوم بالعدل، وكيف يُقام؟ وهذه الشبكة تتّسع باتساع العقول الناظرة فيها، وتتعمّق بعمق الخلفيات الثقافية التي تتعامل معها.
تعهّد الله بحفظ القرآن وأمر بتدبّره؛ فأمّا الحفظ فقد قامت به هيئات مشكورة مأجورة، وأمّا التفاعل مع المفاهيم وتوسيعها واستنباط دلالاتها فما يزال مقصّراً فيه. يرى الدكتور بكّار أنّ من البرّ بكتاب الله تلمّس دلالاته التي لا حدود لتطبيقاتها؛ إذ تنكشف للمتدبّر كل يوم تطبيقات جديدة من خلال التأمل والتفكّر والاستنباط والاسترشاد.
تحمل التزكية في اللغة معنيين متلازمين: التطهير، والنماء المبارك. وقد عبّر عنها بعض الصوفية قديماً بتعبيرٍ دقيق: التخلية والتحلية. فأمّا التخلية فتخليصٌ للنفس من أمراضها؛ من الحقد والحسد والكبر والرياء. وأمّا التحلية فتزيينٌ للنفس بالفضائل؛ من الإخلاص والصدق وحبّ الخير والأمانة والإقبال على الله.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾
يخلص الدكتور بكّار إلى جوهر التزكية في صياغة تتجاوز التعريف اللغوي إلى المعنى الحياتي:
ينتقل الإنسان من العبادات الصغرى — عبادة الذات والشهرة والمال والنفوذ والرئاسة والوجاهة والتسلّط — إلى العبادة الحقيقية؛ عبادة الله سبحانه
فهذه المعبودات الصغيرة تسكن في القلب تسلّلاً؛ يشتغل الإنسان بالصلاة وهو عبدٌ للمال، ويُظهر العبادة وهو عبدٌ للمكانة. وطريق التخلّص منها واحدٌ لا ثاني له: المجاهدة.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
المجاهدة — كما يقرّر المحاضر — مسارٌ طويل، لا يُطوى في جلسة، ولا يُستكمل بقرار عابر؛ هي رحلة متواصلة لتخلية النفوس من الرذائل، وتحليتها بالفضائل.
يمتدح القرآن الإحسان في آياتٍ كثيرة؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ويرى الدكتور بكّار أنّ المعنى يتوزّع على وجهين لا يكتمل المفهوم إلا بهما:
تُخرج زكاتك الواجبة، ثم تتصدّق على وجه الإحسان؛ تؤدي الفريضة، ثم تقوم الليل على وجه الإحسان. هي الزيادة الكميّة في العمل نفسه، تطوّعاً لله
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة". الإحسان هنا جمالٌ في الأداء يخترق كل عمل
يربط الدكتور بكّار بين الإتقان ودرجة التحضّر؛ يقول: كلّما تحضّر الناس أكثر كانوا أقدر على الإتقان. ذلك أنّ البداوة حياةُ الضرورات؛ حياة ما لا بدّ منه. أمّا التحضّر فيتفنّن فيه الناس في الأشياء؛ يدققون ويُجوّدون ويطلبون الكمال في مواضع لم تكن تُطلب قبلاً.
للإحسان مكافأتان؛ آجلةٌ عند الله لا نعرف مقدارها، لكنها سخيّة عظيمة. وعاجلةٌ في الدنيا، يُسمّيها الدكتور بكّار "الرفاهية الروحية"؛ شعورٌ بالتأنّق الداخلي يتذوّقه من تجاوز الواجب إلى ما فوقه، فيجد في نفسه غنىً لا يجده غيره.
يحكي الدكتور بكّار عن شابٍّ في الأربعينيات ذي دخلٍ جيّد جداً، حين ذَكَر له أنّ الليث بن سعد — فقيه أهل مصر — كان إذا سافر سافر في ثلاث سفن: واحدةٌ له، وواحدةٌ لأهله، وواحدةٌ لطلّابه؛ وكان ثريّاً مع ذلك لم تجب عليه زكاةٌ في حياته. فقال الشاب: "الكلام بيني وبينك؛ أنا كذلك، لا أُدَّخر المال، أنفق وأنفق". هو عائشٌ عيشةً مرتاحة، ينفق على نفسه وعياله، ويُعلّم أولاده في أفضل المدارس، غير أنه لا يُدخّر؛ ما يزيد يُنفقه في سبيل الله.
يقدّم الدكتور بكّار تأمّلاً رقيقاً في تطوّر فهم الإنسان لمعنى السعادة والعطاء:
حين نكون صغاراً نظنّ أنّ السعادة في الأخذ؛ فإذا كبرنا اكتشفنا أنّها في العطاء. وحين نكون صغاراً نظنّ أنّ العطاء هو عطاء المال؛ فإذا كبرنا اكتشفنا أنّ العطاء الحقيقي: تعاطفٌ ومساندةٌ وتشجيعٌ ومنحُ رؤية ومنحُ رسالة
ذاك هو الذي قدّمه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدار التاريخ؛ ما قدّموا الأموال، قدّموا المنهج والرؤية والتعاطف، ووقفوا إلى جانب الحق ضد الظلم. هذا جوهر العطاء وقمّته.
ذكر الله في أوائل سورة البقرة تساؤل الملائكة؛ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، فأجابهم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم امتحنهم بعرض الأسماء على آدم. يرى الدكتور بكّار أنّ إيراد هذا الحوار في الكتاب الكريم دلالةٌ على مكانة السؤال؛ بعض الناس يتوهّم أنّ التساؤل خطرٌ على الحقيقة، فيقول: لا تسأل ولا تناقش. والواقع غير ذلك.
يضرب المحاضر مثالاً تاريخياً على مركزية السؤال في النهضات الحضارية؛ حين غزا نابليون مصر سنة ١٧٩٨ واستمر الغزو ثلاث سنوات إلى ١٨٠١، رأى المصريون من تنظيم الحملة الفرنسية والأجهزة التي جاؤوا بها ما أدهشهم، فصاروا يتساءلون: لماذا هم متفوقون علينا؟
انتشر السؤال في أنحاء العالم الإسلامي، فجاء سؤال شكيب أرسلان سنة ١٩٣٠ من جاوي إندونيسي: "يا أستاذ؛ لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟" فأجابه بكتابٍ حمل العنوان نفسه، صار علامةً في أدب النهضة العربي الإسلامي.
يحكي الدكتور بكّار عن تجربته في التدريس الجامعي؛ كان يختبر طلابه بالأسئلة لا بالأجوبة. يقول: "الذي يكشف عن عقلية الإنسان ليس الجواب؛ السؤال. أمّا الجواب فيسهل عليّ أن أؤجّله ليومٍ آخر وأُحضّر المسألة، لكن السؤال يكشف في لحظته عقلَ صاحبه".
إن غابت الأسئلة فثَمّ جمودٌ فكري، واتّساقٌ مع الواقع، ورضاً به. الأسئلة تكسر هذا الاتّساق وتفتح أبواباً جديدة للفهم والبحث
تُعرَّف المسؤولية قانونياً بأنّها: التزامٌ يُحمِّل الشخص تبعةَ ما يجب عليه فعله، وتبعةَ ما يجب عليه تركه. فإذا امتنع عن واجب، أو فعل ما يجب تركه، تحمّل تبعة ذلك.
يستحضر الدكتور بكّار نموذجين من السيرة يُجسّدان الفرق بين الوعيَين:
قال عبدالمطلب حين سُئل عن إبله والبيت الحرام: "أنا ربُّ إبل، وللبيت ربٌّ يحميه". وعيٌ لا يتجاوز الذات
قال سعد بن معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "والله لو خُضت بنا غِمار هذا البحر لخُضناه معك، ولا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا"
يشعر الإنسان المتحضّر بمسؤوليته عن نفسه، وعن أسرته، وعن بلده، وعن أمّته، وعن الإنسانية، وعن الأجيال القادمة. ومن هنا جاء الضغط المعاصر على حماية البيئة؛ شعورٌ بالمسؤولية تجاه أجيالٍ لم تولد بعد.
"الناس المتحضّرون يتعاملون مع البيئة كما يتعامل العالِم الكبير مع مكتبته؛ طول عمره يُغذّيها بنفائس الكتب وينتفع بها، فإذا رحل عنها رحل وهي أشدّ ما تكون اكتمالاً وغنىً. هكذا يجب أن نترك البيئة لمن يأتي بعدنا".
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
يقرّر القرآن ثلاثة أبعاد للمسؤولية على المسلم؛ مسؤوليةٌ عن علاقته بنفسه، ومسؤوليةٌ عن علاقته بالله، ومسؤوليةٌ عن علاقته بالناس. والعاقل من يتحسّس هذه المسؤوليات ويتحمّلها على أفضل وجهٍ ممكن.
يُحذّر الدكتور بكّار من تربيةٍ شائعة في مجتمعاتنا؛ بيوتٌ فيها شغّالات وخادمات وسائقون، يُدلَّل فيها الولد حتى يحمل السائقُ له الحقيبةَ إلى باب المدرسة. هذه تربيةٌ لولدٍ لا يعرف أنّ الحياة صعبة، ولا يُحسن القيام بنفسه. يرى أنّ الإحسان إلى الأبناء في تعليمهم حملَ المسؤولية مبكّراً؛ ترتيب الغرفة، جلب الأغراض من السوق، المشاركة في إدارة البيت. يستشهد بنموذج أنجيلا ميركل التي كان يُقال عنها في ولايتها السبعة عشر عاماً إنها أقوى حاكمٍ في أوروبا، ومع ذلك كانت تذهب بنفسها إلى سوق الخضرة لتتسوّق؛ لا شغّالة عندها ولا خادمة، مع أنّ دخلها يفوق دخل كثيرٍ منّا أضعافاً.
تُحرّرنا المسؤولية من شعور الضحيّة؛ يذهب أصحاب نظرية المؤامرة إلى القول: لو تركنا الغربُ لكنّا في ألف خير. والصحيح: ما الذي أتى بنا حتى يتحكّم بنا الآخرون؟ بقينا ثمانية قرونٍ وكنّا أسياد العالم؛ ثم زالت أسباب النجاح التي أخذنا بها، فصرنا إلى التخلّف
ثَمّةَ فرقٌ كبير بين المؤامرة ونظرية المؤامرة؛ المؤامرة تؤثّر في حياتنا بنسبة عشرين إلى ثلاثين في المئة، أمّا نظرية المؤامرة فتُحوّلنا إلى أناسٍ مشلولين، لا حول لنا ولا طول، ننتظر من الآخرين أن يُنقذونا.
المدافعة مفهومٌ قرآني أصيلٌ عميق؛ حركةُ توازنٍ في الحياة لمنع الفساد في الأرض ومنع الانهيار.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾
يشرح الدكتور بكّار المفهوم في صياغةٍ تميّزه عن كل صراع منفلت:
المدافعة في المفهوم القرآني صراعٌ مقيَّد بالأخلاق؛ مقيَّد بالعدل. نتصارع مع الآخرين، لكن لا نقابل الباطل بالباطل؛ نقابله بالحق. نتصارع مع الآخرين، لكن لا نقابل الظلم بالظلم؛ نقابله بالعدل
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾
انظر في تعامل المسلمين مع الأسرى، وقارنه بتعامل الآخرين معهم؛ تجد أنّ المسلم يُصارع وهو مقيَّدٌ بالحق، لا منفلتٌ منه.
حماية سيادة الأوطان والأراضي والحقوق؛ إن كنّا ضعفاء وجب أن نكون أقوياء عسكرياً
القدرة على تمحيص الرأي بالرأي، والمقال بالمقال، والبرهان بالبرهان؛ حفظاً للعقل الإسلامي من التشويه
وهي أهمّها؛ إنتاج نموذجٍ متفوّق يجعل الآخرين يأتون ليتعلّموا منك، لا أن تذهب إليهم لتتعلّم منهم
في القرن الثالث عشر الميلادي، كان في كل مكتبةٍ عامة في إيطاليا واحدٌ من القيّمين يتحدّث العربية ويخدم بها القرّاء وزوّار المكتبة؛ لأنّ المكتبة كانت مملوءةً بالمخطوطات العربية. هذا هو التفوّق بالنموذج: تفوّق أخلاقي وصناعي وإداري ونظمي وبياني.
يميل العقل البشري في أصل تركيبه إلى التكذيب بما لا يراه؛ لو قلتَ لشخصٍ إنّ الشركة الفلانية تُعطي ربحاً سنوياً بنسبة ثلاثمئة في المئة، فأوّل ما يخطر على باله أنه نصبٌ واحتيال؛ كبريات الشركات لا تصل إلى عشرة في المئة، فكيف تصل هذه إلى ثلاثمئة؟ يصدّق العقل ما يرى لا ما يسمع. ومن هنا: إن أردنا أن نُثبت تفوّقنا الحضاري فلنُنتج نماذج متفوّقة.
يقرّ الدكتور بكّار أنّ نقطة تفوّقٍ واحدة ما زالت عند المسلمين؛ نموذج الأسرة والحياة الاجتماعية؛ حياتنا في هذا الباب أسعد وأهنى من حياة الغرب بسبب العلاقات مع الإخوة والأصدقاء والآباء والأمهات والجيران. نموذجٌ يستحقّ التعزيز والحفاظ.
تُعرَّف النظرة المستقبلية بأنها: استبصارُ العقل لمستقبل أعمالٍ وأنشطةٍ وأوضاعٍ حالية. نحن حين ننظر إلى المستقبل ننظر في عواقب ما نحن فيه ومآلاته؛ وضعنا اليوم كذا، فكيف سيكون بعد عشرين سنة؟
هذا غيبٌ لا يعلمه إلا الله؛ أكبر أطبّاء العالم لا يستطيع أن يضمن حياته خمس دقائق. التفاصيل لا سبيل إلى الإحاطة بها
الأمور الكلية تحكمها السنن؛ مَن يجتهد ينجح، ومَن يتكاسل يرسب. إن رسب مجتهدٌ حقّاً استغربنا وشكّلنا لجنة تحقيق، لأنّ السنّة جرت بغير ذلك
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
يُقدّم الدكتور بكّار تأمّلاً فلسفياً في الزمن؛ الحاضر على الصعيد الفيزيائي أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، لأنّا ندرك الشيء بعد حصوله بفترة قصيرة؛ حين نسمع صوتاً شديداً في الخارج لا نقول "يقع شيءٌ ينكسر"، نقول "وقع شيءٌ انكسر"؛ بصيغة الماضي. لكنّ العقل بقدرته التخيّلية يستطيع أن يُوسّع الحاضر؛ يضمّ إليه العِبرة من الماضي، والمتوقَّع من المستقبل، فيصنع منه شيئاً كبيراً.
ألفية ابن مالك في النحو يعرفها كل طلّاب العلم؛ هل تعلم كم شرحاً كُتب لها؟ مئةٌ وسبعةٌ وعشرون شرحاً! خُذ عشرةً منها شروحاً مسهبة، وعشرةً متوسطة، وعشرةً موجزة. تبقى سبعةٌ وثمانون شرحاً؛ هذا شغل من لا شغل له. هذا الجهد لو بُذل في تسهيل قواعد الإملاء لنا — نحن الذين نُمارس الكتابة ثلاثين سنة وما زلنا نسأل: كيف تُكتب الهمزة؟ — لكان خيراً ألف مرة.
ثبت أنّ الحاضر إذا لم نضغط عليه بأهدافٍ مستقبلية يضيع سُدى. معظم الناس أذكياء نبهاء أشراف أخيار، مشكلتهم أنّهم يعيشون في ردود الأفعال؛ كخشبةٍ في البحر، موجةٌ تأخذها وموجةٌ تأتي بها
قاعدةٌ دقيقة يضعها المحاضر؛ الزمن لا يعمل لمصلحة الأشياء، يعمل ضدّها: يجعل الجديد قديماً، والمنتظم فوضوياً، والملائم غير ملائم، والمحبوب مملولاً. ولذلك حين نتّبع طريقةً في العمل علينا أن نراجعها دورياً؛ ما مدى فاعليتها بعد سنةٍ وسنتين وثلاث؟ الأنظار ينبغي أن تتّجه إلى المستقبل دائماً.
يُسمّي الدكتور بكّار هذه العبقرية باسمها؛ قد أعترض على أسلوبك في العمل وتعترض على أسلوبي، لكنّ النتائج هي الحَكَم. قال موسى عليه السلام حين خاطبه بنو إسرائيل: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، فأقرّوا له بالنتائج. بناء العقلية المستقبلية والشخصية المستقبلية لدى الناس ضرورةٌ حتى لا يضيعوا في حاضرٍ بلا غد، ولا ينغمسوا في ماضٍ لا سلطان لهم عليه.
الاختلاف سنّةٌ من سنن الله في الخلق:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۞ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
ثَمّةَ ميكانيزماتٌ في الحياة الاجتماعية تُولّد الاختلاف اضطراراً؛ لو جئنا بعشرين أخاً من نفس الجينات ونفس ظروف النشأة ونفس الإمكانات المادية، وقلنا لهم اعملوا عملاً مشتركاً، لنشأت بينهم خلافاتٌ بعد أيام. لماذا؟ لأنّ العقل لا يستطيع أن ينظر من كل الزوايا؛ ينظر من زاويةٍ أو زاويتين، لا من عشرين. فحين يُشخّص كلٌّ المشكلة من زاويته، ويرى الحلّ من زاويته، يتولّد الخلاف.
كلّما اتجهنا إلى الأصول والكليّات صار الخلاف نادراً؛ وكلّما اتجهنا إلى الفروع والجزئيات صار الاتفاق نادراً. العقل البشري في بنيته العميقة لا يستطيع حسم الموقف في الجزئيات
لذا فإطالة الجدل في الجزئيات خطأ؛ يُستحسن أن أعرف وجهة نظرك وتعرف وجهة نظري، أمّا أن أحملك على اجتهادي أو تحملني على اجتهادك فلا. أمّا الأصول فشأنها آخر؛ الخروج عنها انحراف.
يقول الإمام الشافعي في كلمته الشهيرة: "مذهبنا صوابٌ يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأٌ يحتمل الصواب". يعرف أنّ مذهبه امتاز في الاجتهاد لا في الأصول؛ يعتقد صحّة اجتهاده، لكنّه يترك مساحةً للمخالف؛ فقد يكون الحق معه.
جاء رجلٌ إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: "أريد أن أؤلّف كتاباً في اختلاف الفقهاء". قال له: "لا تُسمّه اختلاف الفقهاء، سمّه كتاب السَّعَة". حين يختلف أهل العلم بالأدلة والبراهين في قضايا فرعية، فذلك توسيعٌ على الناس، لا جزعٌ منه.
ندخله وكلٌّ عازمٌ على أن يُظهر أنّه على الحق، وصاحبَه مخطئ. هكذا يكون العزم حين يبدأ الطرفان
أن أُضيء لك نقطةً لا تراها، وتُضيء لي نقطةً لا أراها. ثَمّةَ نقاطٌ عمياء دائماً في كل قضية؛ فمن مجموع هذه الرؤى تتحسّن رؤيتي ورؤيتك
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
تستخلص الآية من القوة معنيين جوهريين: الإعداد على قدر الاستطاعة، وشمولية القوة.
"مِن قوة" هنا بيانيةٌ دخلت على نكرةٍ جاءت بعد اسمٍ موصول يفيد العموم؛ فالمعنى: أعِدّوا كلّ جنسٍ من أجناس القوة.
| جنس القوة | تجلّياته في الواقع |
|---|---|
| القوة العسكرية | حفظ السيادة والأراضي والحقوق من الاعتداء الخارجي |
| القوة الصناعية | استقلاليةٌ في إنتاج ما نحتاجه، وتوفير فائضٍ للتصدير |
| القوة الفكرية | مَكنةٌ فكرية حقيقية تُحصّن العقل، وتُبدع وتُنتج المعرفة |
| القوة العلمية | بحثٌ علمي جاد، ومختبراتٌ، وتراكمٌ معرفي متقدّم |
| القوة السياسية | حضورٌ مؤثّر في منظومة العلاقات الدولية |
| القوة المؤسسية | قوانين عادلة، فرقٌ قوية تُدير، انضباط، شفافية، نزاهة، إنتاجية عالية |
يُركّز الدكتور بكّار في لحظتنا الراهنة على القوة التنظيمية المؤسسية؛ هي قوةٌ مركّبة تتجلّى في قوانين عادلة، وفريقٍ قوي يُدير، وانضباطٍ في العمل، وشفافيةٍ في القرار، ونزاهةٍ في السلوك، وإنتاجيةٍ عالية. يدعو إلى صرف وقتٍ كبير في النهوض بمؤسساتنا المختلفة.
حين تدخل أمّةٌ أو مؤسسةٌ أو أسرةٌ في مرحلة ضعف، تبدأ الصراعات الداخلية. كلّ واحدٍ يتهرّب من المسؤولية ويُحمّلها لغيره، ثم ينفرط العقد ويذهب الكل في حال سبيله. القوة تُشعر الناس بالعزّة وتجمعهم على النجاح
المفهوم القرآني إطارٌ إدراكي لا حدود لتطبيقاته؛ يتّسع باتساع عقول المتدبّرين، فلا يكفي حفظ الألفاظ دون تلمّس الدلالات
تخليةٌ من الرذائل، وتحليةٌ بالفضائل؛ جوهرها انتقال الإنسان من العبادات الصغرى إلى العبادة الحقيقية لله
زيادةٌ في الكمّ بالتطوّع، وإتقانٌ في الكيف بتجويد العمل؛ يُورث مكافأةً آجلةً عند الله، ورفاهيةً روحيةً في الدنيا
يخدم الحقيقة ولا يُهدّدها؛ يكسر الجمود الفكري، ويفتح أبواب البحث. النهضات الحضارية كلّها تبدأ بسؤال
مؤشّرُ تحضّرٍ؛ تتّسع دوائرها من النفس إلى الأجيال القادمة. تُحرّرنا من شعور الضحيّة ومن نظرية المؤامرة المشلّة
صراعٌ مقيّدٌ بالحق والعدل؛ أعلى صوره مدافعةُ النماذج. الأمم ترتقي بالنماذج المتفوّقة، لا بالأفكار المجرّدة
استبصارٌ لمآلات الأعمال؛ تضبط الحاضر فلا يضيع سُدى في ردود الأفعال. الزمن يعمل ضدّ الأشياء لا لها
تحويلُ الاختلاف من تعارضٍ إلى تكامل وثراء؛ بالتواضع المعرفي، وحسن التأويل، والتمييز بين الفكرة وصاحبها، وقصد الحق
إعدادٌ على قدر الاستطاعة، وشموليّة تستوعب أجناس القوة كلها؛ الصناعية والفكرية والعلمية والمؤسسية. الضعف يُغذّي الصراعات