شهادةٌ من قلب الميدان: كيف صنع التعليم القرآني شخصيةً متماسكةً قادرةً على الصمود في وجه الإبادة والحصار والعزل والأنفاق
محاور العرض
يتبيّن القارئ الفجوة بين الحفظ الآلي للقرآن والتمثّل السلوكي والنفسي لمعانيه في حياة الفرد
يدرك آليات التفسير الإيجابي للأزمات في التعليم القرآني: من فهم الابتلاء ترقيةً إلى فلسفة اليسر مع العسر
يطّلع على التطوّر التاريخي لمؤسسات التحفيظ في غزة من الكتاتيب إلى صفوة الحفّاظ وتاج الوقار
يعي عدد حفّاظ القرآن في غزة الذي يتجاوز خمسين ألفاً، وأثر ذلك في تشكيل النسيج المجتمعي
يفقه التلاحم العضوي بين العقيدة والعبادة والجهاد في تكوين شخصية المجاهد والحافظ
يرى قرآنية العزلة والميدان في أدب السجون والأنفاق ومواطن الرباط طوال خمس وعشرين سنة من الأسر والعزل
يستوعب أربعة نماذج قرآنية للصمود: يوسف في المحن، وأصحاب الأخدود، وطالوت وجالوت، والسكينة في الغار
يطّلع على مقترح إنشاء مراكز بناء الصلابة النفسية واليقين عالمياً، استناداً إلى النموذج الغزّي
رسالةٌ من غزة
جئتكم من غزة، من غزة العزّة، وأنا أحمل جملة من الآلام والأوجاع والأنّات؛ إبادة جماعية، وحصار، وقتل، وأسر، واعتقال، وتدمير للمنازل والبنى التحتية. يعتصر القلب ألماً على ما يعانيه أبناء شعبي من آلام لا تخفى على أحد منكم. وفي المقابل، جئتُ وأنا أحمل قصصاً وحكايات من البطولة والشهامة والمروءة والجهاد والرباط والمقاومة، ومعانيَ من الصمود والتضحية والفداء.
أتحدّث عن هذا الموضوع وأنا عشته في واقع حياتي، والدٌ لثلاثة شهداء: الأكبر يحمل الدكتوراه في الاقتصاد الإسلامي، والثاني بكالوريوس المحاسبة، والثالث الهندسة الميكانيكية. والابن الأكبر اختُطف حَفيدُه شهيداً أيضاً، وأخَوَان شهيدان، ومنهم القائد الذي اغتالوه قبل ثلاثة أشهر: أبو فؤاد محمد الحولي، طارد العدو الصهيوني خمساً وثلاثين سنة حتى ارتقى شهيداً. وأختٌ وزوجها وأولادها شهداء كذلك، وأبناء أختي الأخرى شهداء. ونحن نتحدّث إليكم الآن، يمكن أن يصل إلينا خبر استشهاد أحد أبناء العائلة، فالشعب الفلسطيني عائلة واحدة.
جئتكم وأنا أحمل التحية لعُمان الكريمة العزيزة، تحيةً ممزوجةً بالدماء والآهات، معنونةً بالعزّة والكرامة. جئت لأقدّم عرضاً تحليلياً لتجربة التعليم القرآني، وكيف أسهمت في بناء شخصية متماسكة قادرة على الصمود والتوازن خلال الأزمات.
السؤال الأكبر
تطرح الورقة مشكلة جوهرية: وجود فجوة بين الحفظ الآلي للقرآن الكريم وبين التمثّل السلوكي والنفسي لمعانيه. يأخذنا ذلك إلى السؤال الرئيس: كيف يُسهم التعليم القرآني في بناء شخصية متماسكة تمتلك مرونةً نفسية وتوازناً قادراً على الصمود أمام الأزمات الهيكلية؟
لمّا سئل الإمام الشافعي: أيمكن للمسلم أن يُبتلى؟ قال: لا يمكن له حتى يُبتلى. على هذا المعنى يُربَّى الجيل في غزة. يُغرَس في وعيه أن البلاء ترقيةٌ وامتحان وتمحيص وطريقٌ إلى التمكين، وأن العسر واليسر متلازمان، وأن الآية لا تقول «مع العسر يسر» بل «إنّ مع العسرِ يُسراً»، فلا يغلب عسرٌ يُسرَين.
مسار تاريخي
مرّت مؤسسات التحفيظ في غزة بثلاث مراحل متتابعة تحت الاحتلال الذي كان يمنع هذا العمل منعاً باتاً، فظلّت اجتهادات فردية طويلاً قبل أن تتحوّل إلى مؤسسات مستقرّة:
بدأت في المساجد، وكان أكبر مكان فيها المسجد العمري في غزة، وهو أقدم وأكبر مساجد القطاع، وقد ظهر في الفيلم الوثائقي بالأمس صورته المدمّرة
شهدت فترةَ تأسيس، فظهر المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية مع بعض الجمعيات الصغيرة، وكانت هذه نقطة انطلاق لتحفيظ القرآن والتربية القرآنية
الطفرة الكبرى ومعها جمعيات مساندة، تخرّج بسببها أكثر من خمسين ألف حافظ للقرآن، ومئات الآلاف من حفّاظ أجزاء منه
في كلّ بيت من بيوت غزة خبيرٌ في القرآن؛ لا يقتصر الأمر على الحفظ، بل يمتدّ إلى معايشة حقيقية مع النصّ القرآني تنعكس في السلوك والموقف.
التلاحم العضوي
ما الذي يُفسّر قتال الحافظ بضراوة وصبر وجلَد أسطوري منقطع النظير؟ الإجابة في التلاحم العضوي بين ثلاثة عناصر لا تنفكّ إحداها عن الأخرى في تكوين شخصية المجاهد الحافظ:
المقصود بالعقيدة هنا فلسفة الوجود والاستعلاء بالإيمان؛ حالةٌ نفسية تجعل المقاتل يشعر بالتفوّق القيمي على عدوّه رغم تفوّق الأخير عليه بالقوّة والسلاح. الولاء والبراء يُفهَمان في سياق التحرير الوطني، فيصبح الحافظ على الأرض مقاتلاً يحفظ القرآن ويعيش معه في آنٍ. البعد العبادي — الصلاة والقيام والصيام — تدريبٌ للثبات في ساحة القتال، وسرد القرآن غيباً تدريبٌ على الصفاء الذهني وقوّة الذاكرة والقدرة على الثبات.
قيادات النخبة والمتقدّمون في الصفوف والذين يقاتلون من نقطة الصفر هم من الحفّاظ. أمّهاتهم كذلك من الحفّاظ، ينبّهن أبناءهن إلى موعد رباطهم، فإذا لبس الشابّ واعتنق سلاحه وذهب، نادته أمّه لتنظر إلى مظهره وتعطّره. هذا ما يُفسّر المشاهد التي رأيتموها لشبابٍ يعتلون دبابات ميركافا — من أقوى دبابات العالم — يفتحون الغطاء ويُلقون المتفجّرات ثمّ يعودون حفاةً.
قرآنية العزلة
هل يخطر ببالك أن إنساناً قضى في السجن ثلاثاً وعشرين سنة، منها خمس عشرة سنة في عزل انفرادي، لا مؤنس له سوى القرآن؟ كان القرآن في الزنازين والسجون هو المؤنس والمربّي، وكان الأسير في أشدّ لحظات الفقر والتذلّل والضعف والاحتياج إلى الله.
ليس أنيسٌ ولا جليسٌ في السجن كمثل القرآن. كنّا نحتاج القرآن مع كلّ نفس، مع كلّ رمشة عين. أكثر ما كان يُؤنس الأسير هو القرآن. ما عشت مع القرآن حقاً كما عشت في السجن، ما تذوّقت القرآن كما تذوّقت في السجن، ما عايشت معاني القرآن ولا تجلّت إسقاطاتها على قلبي وروحي ونفسي كما كانت في السجن.
انتقل المشهد من السجون إلى الأنفاق في باطن الأرض حيث لا نور ولا مقوّمات للحياة، فكان المؤنس هو القرآن الكريم. في مواطن الرباط التي يرابط فيها الشباب المجاهد، كان المؤنس القرآن تلاوةً واستماعاً وقيام ليل في تلك اللحظات. في البيوت المهدّمة انتقل القرآن ليفتح حلقات صغيرة على الجدران المكسورة، وصار الركام فصلاً دراسياً والمصحف كتاب المنهج الوحيد.
نماذج قرآنية للصمود
لم يكن الأمر منفصلاً عن قصص القرآن الكريم؛ فالحفّاظ استوحوا مواقفهم من نماذج قرآنية راسخة، ترسم خريطة إدارة نفسية متكاملة للأزمات المركّبة:
تجاوز الفقد والجبّ والرقّ والسجن والاتّهام، فقدّم نموذجاً في الإدارة النفسية للأزمات المركّبة حين يتوالى البلاء ويتشعّب
قدّموا نموذج الصلابة الاعتقادية التي تبقي الانتصار معنوياً حين تُحرق الأجساد، فتتحوّل هزيمة الظاهر إلى نصر الباطن
كَشَفَ اختبار النهر أن من لا ينجح في شربة ماء لا ينجح في ميدان المعركة، فالقرار النفسي يسبق القرار العسكري
تمثّل الصمود في ذروة الخطر: «لا تحزن إنّ الله معنا»، فحين يضيق الأفق تنزل السكينة على القلوب
التفسير الإيجابي
يُعيد التعليم القرآني تفسير الابتلاء من كونه عقوبةً أو نهايةً إلى كونه اختباراً وتمحيصاً وطريقاً إلى التمكين. يتسابق المجاهدون — خاصّةً الحفّاظ — في استقبال البلاء لا الهروب منه؛ ذاك فَهْمٌ جديد لمعنى الاصطفاء يُسنده الحديث النبوي: «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل».
تُغرَس في الأطفال آية «فإنّ مع العسر يُسراً ۞ إنّ مع العسر يُسراً» غرساً عملياً. معنى المعيّة هنا أن العسر لا يأتي وحده، بل يصحبه يسر يُفتح في ثناياه لا بعد انقضائه. هذه القاعدة تُغيّر منطق الصبر من انتظار الفرج إلى اكتشافه في قلب البلاء نفسه.
الشجرة التي تضرب جذورها في أعماق الأرض لا تخشى العواصف، والإنسان الذي تضرب جذوره في أعماق القرآن يظلّ شامخاً متوازناً مثمراً مهما اشتدّت الظروف.
المقترحات العالمية
تقترح الورقة جملةً من المسارات التطبيقية تستفيد من تجربة غزة في المحاضن التعليمية العالمية؛ فالنموذج الذي صمد أمام الإبادة الجماعية يستحقّ الدراسة والاستنساخ:
ضمن مساقات علم النفس التربوي والاجتماعي في الجامعات، بوصفه نموذجاً حيّاً لإدارة الأزمات النفسية الكبرى
يربط الآيات بالواقع والعمل كما فعلت مؤسسات غزة، فيصير الحفظ سبيلاً إلى البناء لا مجرّد استيداع للنصّ في الذاكرة
إنشاء مراكز بناء الصلابة النفسية واليقين، تجمع بين حفظ القرآن وفهم سنن التدافع الكونية، وتُدرّب على الصبر الاستراتيجي
تدريب الجيل الناشئ على عدم الارتباط المرضي بالوسائل المادية، ليكون جاهزاً للصمود في حال وقوع أزمات اقتصادية أو كوارث طبيعية
لحفيدي شابٌ عمره أربعة عشر عاماً، لمّا ذكر الشيخ أحمد الخليلي ومواقفه ودعمه للقضية الفلسطينية، قال لي: يا جدّي، لو أنّ هذا الشيخ من خارج فلسطين، نبغى شيوخاً من خارج فلسطين يتكلّمون مثل ما يتكلّم. ظنّ الخليلي نسبةً إلى الخليل في فلسطين. قلت له: والله هذا من عُمان. فانبسط الفتى، فقلت: خلاص، أنت رجلٌ مقاصدي، سيكون لك إن شاء الله شأنٌ في المستقبل في المقاصد. انظروا كيف ينظر الأطفال إلى العلماء.
ما يحمله القارئ
تحمل الورقة شهادةً شخصيةً من قلب غزة، يقدّمها والد لثلاثة شهداء، شقيقه القائد أبو فؤاد الحولي ارتقى شهيداً قبل ثلاثة أشهر
المشكلة الأساسية فجوةٌ بين الحفظ الآلي والتمثّل السلوكي والنفسي للقرآن، وردمها مهمّة التعليم القرآني الأصيل
تطوّرت مؤسسات التحفيظ في غزة من الكتاتيب إلى المجمع الإسلامي إلى دار الكتاب والسنّة التي خرّجت أكثر من خمسين ألف حافظ
التلاحم العضوي بين العقيدة والعبادة والجهاد يُفسّر قتال الحافظ بضراوة وصبر وجلَد أسطوري، والأمّهات في قلب المشهد
في السجون والأنفاق ومواطن الرباط، كان القرآن مؤنساً ومربّياً؛ عاش فيه الأسير خمس عشرة سنة عزلاً انفرادياً بلا مؤنس سواه
أربعة نماذج قرآنية للصمود: يوسف في الأزمات المركّبة، وأصحاب الأخدود في الانتصار المعنوي، وطالوت في اختبار الفئة القليلة، والسكينة في الغار
يُعيد التعليم القرآني تفسير الابتلاء من عقوبة إلى اصطفاء، ويَبني فلسفة اليسر مع العسر لا بعده
تقترح الورقة مراكز عالمية لبناء الصلابة النفسية واليقين، واستنساخ المحضن الغزّي، والتحوّل إلى التحفيظ المقاصدي