طرح بديل للأهداف التعليمية مستمدٌّ من القرآن والسنة، يتجاوز تصنيف بلوم إلى نموذج سباعي للإدراك والحكمة
محاور الدرس
يتبيّن القارئ موقع المقاصد العليا للقرآن — توحيد وتزكية وعمران — بوصفها مرجعيةً للعملية التعليمية لا شعاراً يُردَّد
يدرك المأزق المنهجي في اعتماد المؤسسات التعليمية العربية على نظريات غربية ذات منطلقات فكرية مغايرة
يعي حدود تصنيف بلوم لتصنيف الأهداف، واقتصاره على ستة مستويات معرفية تبدأ بالتذكّر وتنتهي بالإبداع
يتعرّف على ستة مجالات للأهداف من المنظور القرآني: قلبية ومعرفية وعقلية وتطبيقية ونفعية وأخلاقية
يستوعب سبعة مستويات لأعمال العقل في القرآن، من الإدراك الحسّي إلى الحكمة والبصيرة
يفقه الإطار المنهجي لبناء نظرية معرفية جديدة: من المشكلة إلى التأصيل إلى المفاهيم إلى التطبيق
يعرف التعريفات الإجرائية لكلّ مستوى معرفي، والأفعال المستخدَمة في تحديده تعليمياً
يطّلع على توصيات عملية لإحداث التغيير في المناهج والأساتذة وطرق التقويم
التحدّي الأكبر
بدأت مسيرتي قبل أربعين عاماً مُدرّساً للفيزياء، ثمّ موجّهاً للعلوم، ثمّ أستاذاً جامعياً، ثمّ رئيساً لجامعة، قبل أن تدفعنا الأوضاع في اليمن إلى الاستقرار في ماليزيا. في كلّ محطّة تتضاعف قناعةٌ واحدة: أكبرُ تحدٍّ يواجهنا إعادةُ الهوية للشاب المسلم، حتى يكون له دور في عبادة الله، وخلافته في الأرض، ونفع مجتمعه وأمّته والإنسانية.
توحيد، وتزكية، وعمران؛ ثلاث غايات قرآنية كبرى ينبغي أن تُبنى عليها العملية التعليمية في المدارس والجامعات.
نُلاحظ أن التطبيقات في الواقع التربوي في العالم الإسلامي تعتمد على تصوّرات فكرية مادية. كلّ المدارس والجامعات تُركّز على أهداف محدّدة للحياة، ويُبنى مطوّرو المناهج نظرياتهم على أطر فكرية مستوردة. عندما نُشرف على طلبة الدكتوراه في الجامعات، يكون أوّل سؤال نسأله: ما هو إطارك النظري؟ فيأتي بالمدرسة السلوكية، أو المعرفية، أو الإنسانية، أو الحداثية، أو ما بعد الحداثة.
أزمة الاستيراد
نحن منطلقاتنا مختلفة، ومسلّماتنا مختلفة، وغاياتنا مختلفة، ونظرتنا للإنسان والكون والحياة والمعرفة مختلفة؛ ألا يُبنى على هذا تصوّر جديد ونظريات جديدة؟ إنتاج المسلمين في العلوم الاجتماعية محدودٌ جداً. العلوم الطبيعية والتطبيقية محلولة بحكم اتّفاق المقاييس والمفاهيم والمبادئ، وإنّما نختلف في توظيفها. أمّا العلوم الاجتماعية فمساحة إنتاجية واسعة لا تزال شاغرة.
يستخدم العالم العربي نموذج بلوم لتصنيف الأهداف التعليمية، وقد ركّز بشكل رئيس على المعرفة، وصنّفها إلى ستة مستويات تبدأ بالتذكّر وتنتهي بالإبداع. هل قرآننا وديننا يقول بخلاف ذلك؟ توجد أوجه استفادة ممكنة، وفي الوقت نفسه اختلافاتٌ جذرية لا يمكن تجاهلها.
على أثر هذه القناعة قرّرتُ أن أصمّم نموذجاً نظرياً جديداً يُحدّد طبيعة الأهداف للتعليم سواء في الجامعات أو في المدارس. يعتمد النموذج على ستة مجالات لا مجال واحد، وعلى فهم متكامل للمتعلّم قلباً وعقلاً وسلوكاً وأخلاقاً.
النموذج المقترح
قسمتُ الأهداف التعليمية من منظور قرآني إلى ستة مجالات، يكمّل بعضُها بعضاً ويَضبطها الإطار الأخلاقي في نهاية المسار:
مرتبطة بالجوانب الإيمانية والعواطف الإيجابية
علوم شرعية ومكتسَبة تحت هيمنة الوحي
أعمال العقل ومستوياتها السبعة
العمل الصالح وتجسيد الأفكار
تطبيقات نافعة بمعايير شرعية
إطارٌ ناظم يضبط جميع المجالات
الإطار المنهجي
لم يكن وضع النموذج ارتجالاً، بل جرى وفق إطار منهجي يمكن اتّباعه في بناء أيّ نظرية جديدة في العلوم الإنسانية من مرجعية قرآنية. كلّ خطوة تستند إلى ما قبلها، وتُفتح على ما بعدها:
قمنا بتطبيق هذا الإطار مع طلبة الدكتوراه في عدّة رسائل، وكان منها نظرية في مجال الحكمة. الغاية من النموذج أن يُوجد لنا أرضية نظرية في كلّ العلوم الإنسانية والاجتماعية للباحثين في عالمنا العربي والإسلامي، تجمع بين الوحي والعقل بمستوياته المختلفة وتُراعي خصوصية الواقع.
النموذج المعرفي
اكتشفنا بعد سنوات من العمل أننا لم نتطرّق إلى تصنيف للأهداف في الجانب المعرفي العقلي. قرّرنا مع طلّابنا أن ننظر في الآيات والمصطلحات القرآنية وجذورها التي لها علاقة بأعمال العقل، ثمّ نَدرُس المدلولات اللغوية، ثمّ السياق القرآني في عدد من التفاسير، ثمّ نُصنّف المدلولات. ظهر لنا أن هناك سبعةً من المستويات:
قدرة المتعلّم على استقبال المعطيات الحسّية والانتباه لها: يُلاحظ، يُحدّد، يصف
قدرة المتعلّم على تفسير المعنى وربط الظاهرة بدلالتها: يشرح، يُبيّن، يُعيد الصياغة
قدرة المتعلّم على تحليل المعلومات واستخلاص العلاقات: يُحلّل، يُقارن، يستنتج
قدرة المتعلّم على ربط المعرفة الجديدة بخبراته السابقة: يربط، يستحضر، يُطبّق
قدرة المتعلّم على تمحيص المعلومات ووزنها بميزان الوحي والواقع
قدرة المتعلّم على اكتشاف المبادئ والنظريات السليمة بعد عبور مراحل النقد
أعلى المستويات؛ توظيف المعرفة في اتخاذ قرارات راشدة: يُقرّر، يحكم، يختار السلوك المناسب
الفرق الجوهري
يبدأ بلوم بالتذكّر، أي بحفظ المعلومة، ثمّ يتدرّج صعوداً إلى الإبداع. النموذج القرآني يبدأ بالإدراك الحسّي، أي بمشاهدة الواقع والإحساس به، ثمّ يتدرّج صعوداً إلى الحكمة والبصيرة. الفرق ليس ترتيبياً فحسب، بل في ماهية الهدف وغاية العملية التعليمية:
شرط الواقع
تختلف البيئات بين العالم العربي والإسلامي، ولا ينبغي أن نتعامل مع النموذج جامداً يُنزَّل على كلّ سياق بصورة واحدة. ما ينفع في بيئة تعليمية ماليزية قد يحتاج إلى تكييف في بيئة يمنية أو عُمانية، والعكس كذلك. يُفتح باب الاجتهاد هنا لمن يمتلك أدواته.
قمنا بتحويل هذا التصنيف إلى نماذج حيّة عملية يمكن النظر إليها. لا تكفي كتابة النظرية في كتاب، بل ينبغي إنزالها في سياق تعليمي مدرسي سواء في العلوم الطبيعية أو في العلوم الإنسانية، وإخراج دليل للمعلمين يُوضّح الأفعال الإجرائية لكلّ مستوى.
ندعو كلّ الباحثين إلى القيام بمثل هذا العمل، حتى نُوجد أرضيةً نظرية في كلّ العلوم الإنسانية والاجتماعية، يَستند إليها الباحثون في عالمنا العربي والإسلامي، فلا نبقى تابعين لأدوات غيرنا، ولا نستهلك نظريات صيغت في سياق منفصل عن سياقنا.
التطبيق والتوصيات
أيّ مؤسسة تريد إحداث تغيير تحتاج إلى قناعة القيادات ورغبتها وإرادتها وهمّتها في التطبيق أولاً. تأتي بعدها المعلمون ومُعدّو المواد ومصادر التعلّم، ثمّ آليات التقويم والمتابعة. دون هذه السلسلة يبقى النموذج على الورق لا ينزل إلى المتعلّم.
حين تنبني منطلقاتنا على القرآن، تتولّد نظرياتنا من بنية مفاهيمنا ذاتها، فنتحرّر من استيراد قوالب فكرية لا تتلاءم مع أصولنا الاعتقادية والفكرية.
ما يحمله القارئ
مقاصد القرآن العليا — توحيد وتزكية وعمران — مرجعية العملية التعليمية، ويقوم بتطبيقها اليوم نموذجٌ مادي مستورَد لا يمثّلها
منطلقاتنا الفكرية تختلف عن النظريات الغربية في تصوّر الإنسان والكون والحياة والمعرفة، ومن حقّها أن تُنتج نظرياتها الخاصة
تصنيف بلوم يقتصر على المجال المعرفي ومن الحفظ إلى الإبداع، ولا يُراعي الأبعاد القلبية والأخلاقية والتطبيقية
النموذج القرآني المقترَح يقوم على ستة مجالات: قلبية ومعرفية وعقلية وتطبيقية ونفعية وأخلاقية
أعمال العقل في القرآن سبعة مستويات: من الإدراك الحسّي إلى الفهم فالتحليل فالربط فالنقد فالكشف فالحكمة
بناء النظرية يمرّ بسبع خطوات: مشكلة وتأصيل ومفاهيم وتراث إنساني واشتقاق مبادئ وبناء ثم تطبيق وتقويم
الحكمة والبصيرة أعلى المستويات، إذ تنتقل المعرفة من ميدان التحصيل إلى ميدان القرار الراشد والسلوك المُصلِح
يحتاج التطبيق إلى قناعة القيادات وتدريب المعلّمين وتصميم المواد وصياغة مخرجات التعلّم وتقويمها باستمرار