قراءة في التحوّل الذي أحدثه القرآن في منهجية التفكير عند العرب، ومهارات المستقبل التي أنتجها المسلمون قبل قرون من بلوم
محاور العرض
يتعرّف القارئ على قصّة الورقة من اختراعها في الصين إلى انخفاض كلفتها إلى واحد في المئة بأيدي المسلمين
يطّلع على حجم الانقلاب العلمي قبل الإسلام وبعده: من معرفة قراءة وكتابة لا تتجاوز عشرة في المئة إلى هيمنة القراءة والكتابة
يعي أن "اقرأ" لم تكن أمراً مباشراً للنبي وحده، بل إطلاقاً لثورة ثقافية تخاطب البشرية جميعاً لا النخبة وحدها
يقف على العلماء الذين بنوا الحضارة المسلمة: الزهراوي وابن سينا وابن النفيس والخوارزمي والبيروني والكندي والجزري
يدرك كيف أسّس القرآن منهجية التفكير التحليلي قبل تصنيف بلوم بقرون، عبر علم أصول الفقه
يتبيّن نظام الاجتهاد والقياس وشروط العلّة بوصفه أدوات عمل العقل في حل المشكلات المعقّدة
يفهم لماذا تُرك حفظ السنة للإنسان ليبتكر له أدواته، بينما حُفظ القرآن حفظاً إلهياً مباشراً
يخرج بتوصيات لإعادة مرجعية القرآن في التعليم بوصفها منهجية تفكير لا مواد تُدرّس
قصّة الورقة
لو شاهد الصينيون رجلاً يدير ورقة بيده في الهواء قبل ألف عام، لاستنكروا ذلك استنكاراً شديداً؛ كانت الورقة في عصرهم من أثمن الأشياء على الإطلاق. اخترع الصينيون الورق حوالي مئة وخمس بعد الميلاد، لكنّ القصّة لم تقف عندهم.
ما الذي دفع المسلمين إلى هذا الاهتمام بالورق؟ يُقال إن المسلمين أوجدوا للورقة معنى. النهم في التأليف والكتابة، والوراقون والنُّسّاخ والكُتّاب، شكروا للورقة أن العرب والمسلمين اهتمّوا بها؛ فتوسّعت صناعتها حتى صارت في متناول طالب العلم والناسخ والمؤلّف.
سردية معلّقة
تحكي السردية الحديثة عن العلم والعلماء بطولةَ أوروبا التي طوّرت العلوم الراكدة منذ زمن الفلاسفة اليونانيين، وتقول إنها بعد عصر التنوير قامت لإنقاذ العالم من العصور المظلمة مرّةً أخرى. ها هي اليوم تعود لتقول: سنُصدّر لكم مهارات المستقبل. من أين جاء هذا السرد؟
الإمام البخاري شاب من اسيا الوسطى في زمانه، جاب العالم ليطّلع على أكثر من ستمئة ألف رواية، ثم اختار منها واحداً في المئة فقط. ما المنهجية التي اتبعها؟ هل كان منتدى الاقتصاد العالمي موجوداً ليُعلّمه مهارات التفكير؟
لم يكن الأمر كذلك. القرآن هو الذي غيّر مجرى التاريخ، وغيّر منهجية التفكير عند الإنسان العربي الذي عاش في حقبة سياسية مضطربة، وبيئة اقتصادية راكدة لا تعرف إلا اقتصاد الغزو أو القوافل أو الرعي أو الربا. عاش فيها العرب اجتماعياً ينظرون إلى المرأة نظرة احتقار، ودينياً بين عبادة الوثن والانتماء إلى القوى العظمى لاختيار ولاءاتهم.
الانقلاب العلمي
ينقلب كلّ شيء بعد نزول القرآن. تتحوّل معرفة القراءة والكتابة من معدّل لا يتجاوز خمسة إلى عشرة في المئة، إلى أن تصير هي السائدة. تغيب المؤسسات التعليمية قبل الإسلام، ثم تظهر بعده بثلاثمئة عام بالعشرات: مدارس وجامعات ومكتبات وكُتّاتيب، تصبح جزءاً من تكوين المجتمع ونسيج حياة المسلم.
يستحدث المسلمون نظام الأوقاف لاستدامة المؤسسات التعليمية مالياً، ونظام الإجازة فيصبح شهادة معتمدة وضبط جودة في العلم. ينقلب العرب مباشرة بعد القرآن من قوم لا يرون إلا رعيهم وتجارتهم وجزيرتهم، إلى قادة في الفكر والعلم في شتى الميادين.
علماء الأمة
يتحوّل المسلمون من حلقات الكتاتيب إلى مواقع قيادية في شتى العلوم. نموذج التحوّل واحد: بدأوا التعلّم بالقرآن، ثم نقلوا ما اكتسبوه من مهارات إلى سائر العلوم.
سرّ التحوّل هو القرآن؛ بدأ هذا السرّ من أوّل آية، حين نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اقرأ.
ثورة في أوّل آية
لم تكن "اقرأ" مجرّد أمر مباشر للنبي بالقراءة؛ تنطوي الآية الأولى على عناصر ثورية عدّة: أمر إلهي بالقراءة في مجتمع أغلبه أمّي، والعلم بالقلم، وتثمين الكتابة طريقةً للتعليم، و"علّم الإنسان ما لم يعلم" أمرٌ بالتوسّع في العلم والتعلّم.
الخطاب في هذه الآيات ليس خطاباً للنخبة فقط. لم نعلم أن اليونانيين علّموا غير النخبة، أو اهتمّوا بالخطاب مع غيرهم. يُخاطب الله البشريةَ كلّها في قرآنه، كلّهم مطلوبون بالتعلّم والتفاعل مع النصوص المكتوبة. يُوجِد هذا الأمر إلزاماً ربانياً بالتعلّم لا سابقةَ له في أيّ خطاب سماوي قبله.
ربط العلم بالغاية الأساسية للوجود، ففي قصّة خلق آدم ذُكر العلم عدّة مرّات: "وعلّم آدم الأسماء كلها". جاء ذلك في معرض الحديث عن الرسالة الكبرى وهي الاستخلاف في الأرض. العلم في القرآن عبادة وقُربة، له بُعد روحي بعيدٌ عن الفلسفات والغايات الدنيوية.
قيل لأمّة الصحراء: انظروا في الكون لتعرفوا ماذا حصل قبل ملايين السنين. هل كان عقل العربي قبل ذلك يستوعب هذا النمط من التفكير؟ ما هي الآلات التحليلية التي يحتاجها للوصول إلى ذلك؟ يُحفّز القرآن الإنسان للنظر الحضاري قبل أن يُنتج الغرب فلسفته حول "الطريقة العلمية" بألف عام.
أصول الفقه
يُقال اليوم إن التفكير التحليلي مهارة مطلوبة للمرحلة القادمة في العالم. أوجد المسلمون هذه المهارة بشكل غير مسبوق حين أوجدوا علم أصول الفقه. مكّن هذا العلم المسلم من تقسيم النصوص إلى خاصّ وعامّ، ومطلق ومقيّد، وناسخ ومنسوخ، والنظر إلى التراتب الزمني، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع.
يُفكّك عالم أصول الفقه البيانات ويُقسّم النصوص، ويعرف الأنماط في النصّ الواحد، في الكلمات والحروف. يمتلك الاستنتاج المنطقي والتقييم المنهجي. بذلك يسبق التصنيفَ الغربي الحديث لمهارات التفكير بقرون، ويُقدّم أدواتٍ عمليةً تعمل حتى اليوم.
نظام الاجتهاد
يأتي بعد أصول الفقه نظام الاجتهاد. يُبنى الاجتهاد على القياس، ويُبنى القياس على العلّة، والعلّة دلالاتها الألفاظية متعدّدة. ثمّة علّة مُستقاة من النصّ الصريح، أو الإيماء، أو التنبيه، أو المناسبة، أو السبر، أو التقسيم. أبواب كبيرة جداً لم تكن موجودة قبل المسلمين في أيّ منظومة فكرية أخرى.
وضع المسلمون شروطاً صارمة للعلّة: الظهور، والانضباط، والمناسبة، والتعدّي، وعدم التعارض. كلّ هذا في أمر يبدو بسيطاً، من أجل غاية عملية واحدة: حلّ مشكلات معقّدة لم يأتِ فيها نصٌّ صريح.
يُمثّل هذا البناء المعرفي نظاماً كاملاً لصنع القرار في مواقف مستجدّة، ويعكس الحجم الحقيقي للاجتهاد الفكري عند المسلمين. لا يُعادله في الأنظمة المعرفية الأخرى إلا ما جاء متأخراً بقرون في نظريات اتخاذ القرار الحديثة.
النقد وحفظ السنّة
حَفِظ الله القرآن من التحريف، بينما تُركت السنة المطهّرة — وهي مصدر من مصادر التشريع — لم تُحفَظ بالطريقة التي حُفظ بها القرآن. لماذا؟ يُقدّم هذا السؤال إجابةً عميقة في فهم طبيعة العقل الإسلامي: خُلق المسلم ليقود العالم، فلو أُعطي كلّ شيء على طبق من ذهب، كيف سينتج نتاجاً حضارياً فكرياً إذا عُطّل عقله عن التفكير؟
تُركت السنّة للإنسان ليبتكر أدواته لحفظها؛ فأوجد علم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم العلل، وغيرها من أنظمة النقد التي تُعدّ اليوم أدوات تفكير ناقد بامتياز.
أسئلة علم الرجال تُدرّب العقل على تحليل ناقد: هل كذب هذا الإنسان من قبل؟ هل كانت سمعته طيبة؟ هل غيّرت الظروف خلقه؟ ثم ينتقل العالم إلى المتن فيدقّق فيه: هل يُخالف نصّاً قطعياً؟ هل يُخالف عقلاً بديهياً؟ هل له ما يُعضّده من شواهد؟ هذه المهارات كلّها مهارات ناقدة بامتياز.
الرؤية
لا يملك التاريخ إلا مثالاً واحداً لأمّة انتُشلت من الركام إلى قيادة العالم. ليعيد التاريخ نفسه مرّةً أخرى، علينا أن نُعيد مرجعية القرآن في التفكير والتعليم والإبداع والبحث العلمي، فنصنع حضارةَ تفكير وعلم وعمل وإيمان.
تعزيز إطار وطني للمرجعية القرآنية في التعليم. تغذية المناهج التعليمية بالمنهجيات الإسلامية منهجياتِ تفكير لا مواد تُدرَّس. تأهيل المعلمين والمعلمات والأكاديميين جميعاً على هذه الطرق.
يبقى السؤال الختامي الذي نختم به: هل نحن مستعدّون أن نتعلّم من نجاحاتنا السابقة أم لا؟ إذا وجدنا الإجابة، بدأت الطريق إلى حضارة جديدة تستعيد موقع العقل المنتج في قلب تكوين الإنسان.
ما يحمله القارئ
المسلمون صنعوا حضارة الورق حين أوجدوا للورقة معنى، فخفّضوا كلفتها إلى واحد في المئة من كلفتها الأصلية
انقلبت أمّة القراءة والكتابة من نسبة خمسة في المئة إلى هيمنة كاملة، وظهرت المدارس والأوقاف ونظام الإجازة
أوّل آية في القرآن كانت ثورة: أمرٌ بالقراءة، وتثمينٌ للقلم، وخطابٌ للبشرية لا للنخبة، وإلزامٌ ربانيّ بالتعلّم
علماء الأمة من الزهراوي إلى الخوارزمي والبيروني والجزري بدأوا من الكتاتيب ثم قادوا علوم عصرهم
علم أصول الفقه أسّس التفكير التحليلي قبل بلوم بقرون: تفكيك النصوص، وضبط العموم والخصوص، وإدارة المخاطر
نظام الاجتهاد والقياس بشروط العلّة المنضبطة يُمثّل أعلى مستويات التفكير في حلّ المشكلات المعقّدة
حُفظ القرآن من عند الله، وتُركت السنّة للإنسان ليبتكر أدواتها؛ فأنتج علم الرجال والجرح والتعديل بوصفه تفكيراً ناقداً بامتياز
الطريق إلى الحضارة تبدأ بإعادة مرجعية القرآن في التعليم بوصفها منهجية تفكير، لا مواد تُدرَّس