محور الأمن الفكري

الأمن الفكري من منظور قرآني
نماذج تفسير الوجود الثلاثة

قراءة في تحوّل العقيدة من الإيمان بالله إلى الإيمان بالقوة الكونية والوعي الكلّي، وأثر ذلك في قانون الجذب والشاكرات والتأمّل التجاوزي

د. سيف بن سالم الهادي ندوة القرآن وبناء الإنسان

ما تكشفه الورقة

محاور الدرس

١

يتبيّن القارئ نشأة نظرية الأخلاط الأربعة عند اليونان، وتاثرها في طبّ ابن سينا والرازي، وعلاقتها بعلم الأبراج

٢

يفهم موقف الإسلام الحاسم من ربط الظواهر الكونية بالأجرام، وحديث النبي في صلاة الاستسقاء وكسوف الشمس لموت إبراهيم

٣

يدرك النماذج الثلاثة لتفسير الوجود: الإيمان بالله، والإيمان بالقوة الكونية، والإيمان بالوعي الكلّي

٤

يفرّق بين الذي يؤمن بالله فيتوجّه إليه بالصلاة والدعاء، والذي يؤمن بالقوة فيضبط تردّداته مع الكون

٥

يقف على جذور قانون الجذب في كتاب "السرّ" لروندا بايرن، وفرقه عن الكتاب الأعرابي الذي يحمل اسماً مطابقاً

٦

يعرف نظام الشاكرات السبع، وحروف السنسكريت المستخدَمة فيها، وعلاقة الحضارة الهندو أوروبية المشتركة

٧

يتبيّن مخرجات الوعي الكلّي من وحدة الوجود إلى تأليه الذات، ومن التأمّل التجاوزي إلى الكوانتم الروحي

٨

يعي أن التلبيس العلمي بمصطلحات التردّدات والطاقة والكوانتم هو ما يجذب الشباب، وحدود رصيدها العلمي

١

قصّة كتابين

اسمٌ واحد لكتابين مختلفين

جاء شباب قبل سنوات يُخبرون عن كتاب ضخم عُثر عليه في بيت قديم من زمن الأعاربة، اسمه "كتاب السرّ". ثارت الأطماع، لكن القراءة كشفت أنه على علاقة وثيقة بالفلسفة اليونانية، يسير على مداراتها رغم اختلاف العصر. في الفترة نفسها، تداولت فتيات الجامعة كتاباً غربياً بالاسم ذاته، لروندا بايرن الأسترالية، كُتب لدعم نظرية قانون الجذب.

لا توجد علاقة بين الكتابين في الظاهر، لكنهما يستمدّان رؤيتهما من نظرة يونانية قديمة تلاقحت مع الثقافة الشرقية البوذية والهندوسية؛ اختلف المؤلّفان واتّفقت المرجعية.

كان اليونان محتاجين إلى تفسير الكون، فقدّم كلٌّ منهم نظريته: قال طاليس بأن أصله الماء، وقال أنكسمندر بأن أصله الأبيرون، وقال أنكسمنس بأن أصله الهواء، وقال هيرقليطس بأن أصله النار. جاء إنبذقليس فأضاف التراب، فاكتملت نظرية الأخلاط الأربعة، التي يُفسَّر بها جسم الإنسان: حارّ وبارد، ورطب ويابس.

٢

امتداد النظرية

من الأخلاط الأربعة إلى الأبراج

بُنيَت نظرية الطبّ عند اليونانيين على هذه الأخلاط، فجاء بُقراط وجالينوس فوضعا أصولها على الحارّ والبارد والرطب واليبوسة. نقرأ أثر هذا التصوّر في كتب الطبّ الإسلامي القديم عند ابن سينا والرازي وغيرهما، حيث حضرت مصطلحات الصفراء والبلغمي والسوداء، مع أن المسلمين طوّروا عليها وعدّلوا فيها.

من الأخلاط إلى الأبراج

جاء بطليموس وجماعة من اليونانيين فربطوا العناصر الأربعة برغبة الإنسان في معرفة السعادة والشقاء، فجاءت فكرة الأبراج. تلك الأبراج التي تُسمع اليوم في كلّ مكان، مرتبطة بهذا الأصل التفسيري للوجود: هواء وماء وتراب ونار.

جاء الإسلام فغيّر كلّ شيء، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكون الارتباط بالله وحده، لا بأجرام السماء ولا بأخلاط الأرض ولا بعناصرها. أصاب الناسَ مطرٌ في ليلة، فقام النبي ليخبرهم: "أصبح من الناس اليوم مؤمن وكافر، من قال مطرنا بنوء كذا فقد آمن بالكواكب وكفر بالله، ومن قال مطرنا بفضل الله فقد آمن بالله وكفر بالكواكب".

ظلّ النبي ثلاثاً وعشرين سنة يُراقب هذه القضية ويتتبّع مساراتها في النفوس، حتى إذا انكسفت الشمس في العام العاشر للهجرة يومَ موت ابنه إبراهيم، خرج مُسرعاً ليُصحّح معتقداً باقياً: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته".

٣

السفينة والربّان

ثلاثة نماذج لتفسير الوجود

تمثيلاً يُقرّب المعنى: تصوّر سفينةً يُبحَر بها في محيط واسع. ينظر إليها الناس في تفسير وجودهم ثلاث نظرات مختلفة، تنبني عليها ثلاثة نماذج فكرية، لكلٍّ منها فلسفتها وأثرها في السلوك والشعور.

النموذج الأول
الإيمان بالله

يعلم صاحب هذا النموذج — ولله المثل الأعلى — أن للسفينة ربّاناً يقودها إلى برّ الأمان، ويضع لها تشريعاتها وتوجيهاتها؛ فيلجأ الركّاب إليه ويأتمرون بأمره. هذا هو الإيمان بالله الذي قرّره الأنبياء جميعاً.

النموذج الثاني
الإيمان بالقوة الكونية

يرى صاحب هذا النموذج أن السفينة حقلٌ مغناطيسي وترددات طاقية وهالةٌ محيطة بها؛ لا ربّان لها، فيجب على الراكب أن يضبط طاقته أو ترددّاته الطاقية أو ذبذبات ذاته لينجو فيها. يُنزَع الإله ويحلّ محلّه الحقل الطاقي.

النموذج الثالث
الإيمان بالوعي الكلّي

يرى صاحب هذا النموذج أن الماء والسفينة والركّاب شيءٌ واحد، فلا انفصال ولا اختلاف. كان هذا يُسمَّى قديماً "وحدة الوجود"، ويُسمَّى اليوم بمصطلح لطيف غربي: "الوعي الكلّي". تتلاشى حدود الإله والعبد، فيُقال: أنا الكون والكون أنا.

قاعدة الفرق الجوهري

من يؤمن بالله يقول: يا ربّ أنت الرازق، أنت الشافي، أنت المعين. من يؤمن بالقوة يقول: طاقتي هي التي تجذب لي الشفاء، تردّداتي هي التي تجذب لي الرزق.

٤

قانون الجذب

أنا أستحق

أنتج الإيمان بالقوة الكونية ما يُعرف بـ"قانون الجذب". يتمحور حول فكرة أن الإنسان يجذب إلى حياته ما يُرسل تجاه الكون من تردّدات؛ فمن أراد الرزق رَدَّد: أنا ثريّة، أنا ثريّة. ومن أراد الحبّ قال: أنا أستحقّ. يتحوّل الدعاء عند هؤلاء من تضرّع إلى إله، إلى ضبط ذاتيّ للتردّدات.

من أين جاء الإنتاج الغربي؟

لم يصل الاستعمار الأوروبي إلى تطوير فكرة أصيلة في قانون الجذب والتأمّل والشاكرات من تراثه الخاص. انتقلت هذه الأفكار من الهند والصين إلى أوروبا في فترة لم يكن المسلمون فيها قادرين على اختراق القوة العسكرية الأوروبية. زرادشت حاضرٌ في "هكذا تكلّم زرادشت" لنيتشه، وشوبنهاور يستلهم عقيدة الفيدا في "العالم إرادةً وتمثّلاً".

ما يتمنّاه الأوروبيون اليوم في محاولة استحضار السعادة والتخلّص من الألم والمرض وضبط الجسد وفق طاقة الكون، هو نجاحٌ حقّقه الشرقيون عليهم، ثم أُعيد إنتاجه بألفاظ علمية راقية تجذب الشباب: تردّدات، كوانتم، ذبذبات، حقل طاقي.

٥

الشاكرات

مراكز طاقة بلباس علمي

تجمع الشاكرات بين القوة الكونية والوعي الكلّي. كانت في الأصل عشراً عند الهندوس، فلما وصلت إلى الأوروبيين جُعلت سبعاً وأُعطيت ألوان الطيف. قيل عنها إنها مراكز طاقة في الجسم تنتظم بها الحياة، ويتفاعل بها الإنسان مع الكون.

تلاحظ أن كثيراً من برامج الشاكرات يستخدم حروف السنسكريت؛ وذلك لأن الشاكرات صدٌّ مقدّس عند الهندوس، تُردَّد صوتاً دينياً في عقيدتهم، ثم نُقلت إلى اللاتينية والإنجليزية بلباس علميّ.

تجمعُ الأوروبيين والهنود حضارةٌ مشتركة تُسمَّى الهندو أوروبية، ولغةٌ دينية مشتركة تُسمَّى السنسكريتية. لم يكن الانتقال من الشرق إلى الغرب بدون سياق، ولم يكن قانون الجذب والتأمّل وضبط التردّدات إلا فصولاً في كتاب طويل يبدأ من عقائد الفيدا ويمرّ بالبوذية والهندوسية، ليصل إلى جامعات أوروبا وأمريكا.

الريكي والكارما

يُسمَّى ضبط التردّدات المأخوذ من الشاكرات بـ"الريكي"، ويقوم على تهيئة الهالة لتُشفى أو تُرزق أو تسعد. الكارما تضبطها وتجمع بين القوة الكونية والوعي الكلّي، بمعنى ينضبط جسمك وطاقتك وهالتك الداخلية مع هذا الكون المكهرب المغناطيسي.

٦

تأليه الذات

مخرجات الإيمان بالوعي الكلّي

أنتج الإيمان بالوعي الكلّي سلسلةً متتابعةً من المفاهيم الحديثة. بدأت بوحدة الوجود التي صوّرها سبينوزا على أنها قوانين الطبيعة، ثم صوّرها الرواقيون هكذا قديماً. اكتملت الصورة في تأليه الذات: أنا، أنا، أنا أسيطر، أنا قادر، معرفة تأليه الذات.

أ
التأمّل التجاوزي

ابتكره ماهاريشي ماهيش يوغي، ويقوم على رياضة ذهنية تتجاوز حدود الإدراك الحسّي المعتاد، للاتّصال بالوعي الكلّي المزعوم

ب
التأمّل الميكانيكي

أبدعه أوشو، الذي انتقل إلى أوروبا ولقي قبولاً، حتى اكتُشف أنه كان يجمع الأموال ويستمتع بالنساء. تقوم طريقته على الصراخ والحركة الميكانيكية

ج
طريقة ساد جورو

المعروف الذي زار عُمان كذلك، وله طريقته التأمّلية "الياكريا" التي تجمع بين التأمّل التجاوزي والاندماج مع الشاكرات ذات الأصل البوذي والهندوسي

د
الكوانتم الروحي

يُضفي لباساً علمياً بمصطلحات ذبذبات وطاقة وتردّدات وكوانتم وفيزياء، فيُخدع الشباب ظنّاً أن ما يقرأون علم موثّق، بينما هو من العلوم الزائفة

يمكن للقارئ أن يرجع إلى كتب غربية تكشف الخلفية الحقيقية لهذه الأفكار: "قوّة الحيّة" لسير جون وودروف، و"الشاكرات" لريتشارد بيتر، و"خرافة" لروبرت بارك. لفظ "خرافة" كما ذكر ابن منظور من رجل اسمه خرافة، زعم أن الجنّ اختطفته، فكلّ ما لا يُصدَّق سُمّي بعد ذلك خرافة.

٧

التلبيس العلمي

كيف يُقبَل الزائف علمياً؟

يُكسب هذه الأفكار قيمةً علميةً مزيّفةً ما يُسمَّى بالتلبيس العلمي. تحلّ مفردات فيزيائية حديثة محلَّ المفردات الدينية القديمة، فيتحوّل الذكر إلى تردّدات، والدعاء إلى ضبط للذبذبات، والرزق إلى جذب كونيّ. يظنّ الشاب أنه أمام علم حديث لا يمكن مخالفته، بينما هو أمام عقيدة قديمة بلباسٍ جديد.

التحوّلات التي حدثت

الدعاء ← ضبط التردّدات التوكّل ← الجذب الكوني الصلاة ← التأمّل الإيمان ← الوعي الذكر ← التردّدات العالية
من يؤمن بالله يتوجّه إليه بالصلاة والدعاء. من يؤمن بالطاقة يتوجّه إلى ضبط طاقته وتردّداته بالكون. من يؤمن بالوعي الكلّي يحرص على أن تندمج روحه وحياته في الكون، لأنهما وعيٌ واحد.
٨

البناء المقابل

وسائل الأمن الفكري

يُحتاج إلى جبهة داخلية تفهم العقيدة التي تنظر بها إلى الحياة، فتعرف نموذجها التفسيري للكون والإنسان والحياة. نحتاج إلى ركيزة: أسرة محصَّنة فكرياً، وأخلاق ناظمة، وسلطة قادرة على فرض إدارتها. يتكامل هذا البناء ليحفظ الشباب من اختراق العقائد البديلة.

ركائز الأمن الفكري

جبهة داخلية واعية بالعقيدة، وأسرة محصَّنة، وأخلاق ناظمة، وسلطة قادرة على الإدارة؛ أربعة أركان لا يقوم بناء الحصانة بغيرها.

يتولّى العلماء دورهم في إيقاظ الأمّة لخطر هذه العقائد البديلة، وقد أُلقيت أكثر من خمسين محاضرة في الأمن الفكري تتعلّق بالإلحاد والنسوية والمثلية، لتنتقل اليوم إلى قضية أخطر: تحوّل الإنسان من الإيمان بالله إلى الإيمان بالطاقة. نحن نتبنّى نموذجاً تفسيرياً للإيمان ليس من ديننا، وهذه قضية لا تحتمل السكوت.

خلاصات الدرس

ما يحمله القارئ

أولاً

نظرية الأخلاط الأربعة من اليونان فُسّر بها الطبّ والأبراج، وبقي أثرها في كتب ابن سينا والرازي رغم تصحيح الإسلام لها

ثانياً

ثلاثة نماذج لتفسير الوجود: الإيمان بالله، والإيمان بالقوة الكونية، والإيمان بالوعي الكلّي؛ كلٌّ منها يُنتج سلوكاً مختلفاً جذرياً

ثالثاً

قانون الجذب ينقل العبد من توجّه إلى الله إلى ضبط ذاتي لتردّدات الكون؛ فتحلّ الذات محلّ الإله في الدعاء

رابعاً

الشاكرات السبع أصلها عشرٌ عند الهندوس، وحروف السنسكريت المستخدَمة فيها صدٌّ مقدّس عندهم، لا مجرّد رموز طبية

خامساً

الوعي الكلّي يُعيد إحياء وحدة الوجود، ويُفضي إلى تأليه الذات عبر التأمّل التجاوزي والميكانيكي والكوانتم الروحي

سادساً

التلبيس العلمي بمصطلحات التردّدات والذبذبات والكوانتم والفيزياء هو ما يُضفي قبولاً زائفاً على هذه العقائد

سابعاً

ما ينتجه الغرب اليوم من قانون جذب وتأمّل تجاوزي مصدره الشرق، انتقل إليه عبر الفلسفة الهندو أوروبية المشتركة

ثامناً

الأمن الفكري يقوم على أربعة أركان: جبهة داخلية واعية، وأسرة محصَّنة، وأخلاق ناظمة، وسلطة قادرة