محور بناء الإنسان من الداخل

الدورة القرآنية التفكّرية
المنهج والمضمون

عرض تفصيلي للإطار الإجرائي للدورة المغلقة، ومحاور مضمونها في التفكّر في الميسّر القرآني

الشيخ داود بوسنان ندوة القرآن وبناء الإنسان

ما يحمله الدرس

محاور العرض

١

يتبيّن القارئ حديث التلاوة والتدارس بوصفه منطلقاً لدورة مغلقة تجمع بين الأمرين لمدّة أسبوع كامل

٢

يدرك ضوابط الدورة الإجرائية من تسليم الهاتف، واجتناب ذكر الغائب، وترك الحديث عن النفس

٣

يعي خطر تقديس الاجتهاد البشري في شرح القرآن، ويتعرّف على مرجعية الميثاق العلمي لضبط الدورة

٤

يعرف الجدولة اليومية للحصص السبع، وحلقات التلاوة الفاصلة، وثنائيات التذكير

٥

يستوعب محور الخلق وعلاقته بالفقر إلى الله وردّ الاستكبار

٦

يدرك قاعدة أن كلّ ضرّ ظاهره شرّ وباطنه رحمة، ثلاثة أقسام: ابتلاء، وتذكير، وتأديب

٧

يفقه قاعدة تَفكُّر وتدبُّر ← تذكُّر ← تطهُّر ← تأثُّر ← تغيُّر، بوصفها سلسلة متصلة لا حلقات مستقلّة

٨

يتعرّف على أثر الحلقة في جوف الليل ونوع جهاد التهجّد في تحقيق الإحسان

١

الأساس

حديثٌ يتحوّل إلى منهج

تنطلق الدورة القرآنية التفكّرية من حديث نبوي شريف واحد، تُحاول أن تُفعّله لا أن تسرده: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". يُلخّص الحديث منهجاً يقوم على الجمع بين التلاوة والتدارس، إذ لا تعطي التلاوة المنفردة علم القرآن.

«وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ» سورة آل عمران

تُعنى الدورة بالتفكّر في الميسّر القرآني، وتكون مغلقةً لمدّة أسبوع كامل، يتعهّد المشارك فيها، رجلاً كان أو امرأة، باجتناب ممنوعاتها في إطارها طوال فترتها، ولو كانت هذه الممنوعات في أصلها مباحة. تقوم الفكرة على إجراءات احتياطية وقائية تسمح بتهيئة المحضن المناسب للتدارس.

٢

ضوابط الدورة

ممنوعات وقائية لا عقابية

تضع الدورة جملة من الشروط الإجرائية تُحيط تجربة المشارك بسياج يحميها من التشويش، ويُهيّئها لاستقبال معاني القرآن. ترتكز هذه الشروط على آية صريحة في سورة المؤمنون: "وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ".

١
تسليم الهاتف النقّال أمانة

لا يُسترَدّ إلا بعد انتهاء الدورة، ولا يُطلَب إلا لضرورة قصوى كاستفتاء عاجل أو أمر طارئ، علاجاً للإدمان، وتفادياً للإزعاج، وحفاظاً على التركيز

٢
اجتناب ذكر أيّ غائب

ولو بتلميح، سواء كان شخصاً أو طائفة أو حزباً، تفادياً للغيبة التي يجهل الكثير استثناءاتها، وتدريباً على الاعتبار من قصص القرآن دون شخصنة

٣
ترك الحديث عن النفس

سواء في سيرتها الذاتية، أو إنجازاتها المعنوية، أو مكتسباتها المادية، تدريباً على التعارف الخالص، وتجنّباً لأيّ إرادة دنيوية قد تؤثّر على النيّة

٤
الاقتصار على الميسّر القرآني

دون التطرّق إلى أيّ قضية استنباطية تخصّصية، تجنّباً لإثارة الجدل من مرضى التعصّب والهوى، والاقتصار على ما يُمكن أن يُحدَّث به عامّة الناس

تتدرّب الدورة على الوقاية من الأسئلة المُضلّلة بالانشغال المستمر بالميسّر، كما تُطهّر اللسان من آثامه بتلاوة الآيات دون انقطاع، وتُدرّب على التذكير بعفوية أمام الملأ دون تكلّف ودون حرج.
٣

حراسة النص

تحذير من تقديس الاجتهاد

تُحذّر الدورة من تقديس أيّ اجتهاد بشري يتعلق بها، سواء في طرق العرض أو أساليب التبسيط، وتُوصي بعرض كلامها المعرَّض للخطأ على النصّ القرآني المقدّس، تجنّباً لأيّ تقليد أعمى قد يُحيل الطالب إلى الاتباع دون الاستبصار. تُحيل الدورة كذلك إلى صفحتها "فذكّر بالقرآن" في الفيسبوك مرجعاً مساعداً.

الميثاق والمرجعية العلمية

يُوجَّه القائمون على الدورة إلى اتخاذ ميثاق يضبط حدودها ومرجعية علمية يُحتكَم إليها عند أيّ تنازع، تفادياً لأيّ تقوّل أو تفرّق. من ثبت خوضه في التفسير بغير علم فعليه أن يُعلن تراجعه عن تقوّله لكلّ من سمعه منه.

تُبيّن الدورة أن عبادة الله بإخلاص هي الغاية الكبرى من مواضع القرآن وآياته كلّها، مستندةً إلى قوله تعالى في فصّلت: "كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ۞ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ". يبحث المشارك وهو يذكر أفعال ربّه وأسماءه في القرآن عن أوامره ونواهيه، فيتحوّل الذكر إلى فعل.

٤

الجدولة اليومية

سبع حصص وحلقات فاصلة

يشتمل برنامج الدورة يومياً على سبع حصص من الميسّر، تتخلّلها ثنائية تذكيرية بين كلّ حصّة وأخرى. تقوم حلقات فاصلة بتلاوة آيات محدّدة يُركَّز ذهنياً على معانيها الميسّرة دون كلماتها الصعبة، تُقام أثناء تناول الوجبات، فتتحوّل اللحظات العادية إلى امتداد للتدارس.

«اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ» سورة العنكبوت

تحضر الدورة العرب والعجم على اختلاف بلدانهم ومذاهبهم ومستوياتهم، فتُراعي عند عرض مواضعها التدرّج والبناء والترابط والتناسق. عالم الشهادة أساسٌ لبناء حقائق الغيب، ومن الملاحدة من يتراجع بعد حضوره بفضل الله تعالى، فيُعاد إلى الإيمان بالنظر إلى الخلق قبل النظر إلى المخلوق المجرد.

٥

محور الخلق

استحضار الضعف يُولّد الخشوع

تتناول الدورة مراحل خلق الإنسان وفق قوله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً". يُولّد استحضار النقص كالعدم، والصغر، تذكيراً بالحيّ الذي لا يموت، والقوي المنزّه عن كلّ نقص، فيستسلم العقل لعجزه عن إدراك الكمال المطلق.

«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۞ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ» سورة العلق

يُفضي تذكّر الضعف إلى قراءة الافتقار إلى الله، بينما يولّد العجب بالقوّة الاستغناء عن الخالق والاستكبار على الخلق. يَحكي القرآن مصير عاد ممن قال: "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً"، فيقرّر الجواب: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً". ينطلق البرهان على قدرة الله من العدم، كإحيائه الموتى، واستجابته لأيّ دعاء ولو تعذّر ذلك في عالم الأسباب.

٦

محور النعم

الذكر يُورث الحبّ

يُبيّن محور النعم أن ذكر نعم الله التي تلفّها المنافع يُذكّر بإحسانه إلى خلقه وفضله عليهم، فيُشعر العبد بحبّ أكبر من أيّ شيء، ويُحقّق عبادته وحده. النعمة في هذه القراءة ليست امتناناً عابراً، بل بوّابة إلى الحبّ، وطريقاً إلى توحيد الوجهة.

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» سورة فاطر

يقرّر الحقّ سبحانه: "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ". يتفاوت المحبّون في شدّة المحبّة بقدر تفاوتهم في ذكر النعم وتأمّلها. يفتح الله أبواب توبته لكلّ مسرف ما دام حيّاً، ليطرد عنه القنوط، وينهى كلّ حريص على التقوى عن العجب بالتزكية، فيظلّ خائفاً يتعاهد قلبه.

«وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» سورة المؤمنون
٧

محور الضرّ

كلُّ ضرٍّ ظاهرُه شرٌّ وباطنُه رحمة

يطرح محور الضرّ قاعدةً جوهريةً: كلّ ضرٍّ ظاهرُه شرّ وباطنُه رحمة. ينقسم الضرّ إلى ثلاثة أقسام تتباين في مقصدها، وتتّفق في رحمتها:

أ
مجرّد ابتلاء

كمصاب أيوب عليه السلام، وقد صبر، فعاش الشدّة دون أن يُنسب له تفريط يستوجب التأديب

ب
تذكير بالتقصير

كمصاب يونس عليه السلام، وقد اعترف، فنادى في الظلمات: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»

ج
تأديب على تعمّد السيّئة

كعقوبة أصحاب الجنّة وقد رجعوا، قائلين: «سبحان ربّنا إنا كنّا ظالمين»

يُبيّن هذا المحور أن للجانب الغيبي تأثيراً على الاقتصاد، فقد فقد أصحاب الجنّة مصدر استرزاقهم على أثر نيّة سيّئة، وفقد المحاور جنّتيه بعد أن سخر من صاحبه، كما فقد آدم عليه السلام جنّته على أثر أكله من الشجرة. يُذكّر الضرّ المحيط الذي يقطع الأسباب كلّها في البحر مثلاً بما هو موجود في الفطرة من حقائق الدين الضرورية.

٨

السلسلة المتّصلة

من التفكّر إلى التغيُّر

تضع الدورة قاعدةً ناظمةً لثمرة التدارس، تُحوّل العملية من حلقات منفصلة إلى سلسلة متّصلة: تفكُّرٌ في الخلق، وتدبُّرٌ في العاقبة، فتذكُّرٌ للسنن لأجل الاعتبار، وتطهُّرٌ للقلب، وتأثُّرٌ في النفس، فتغيُّرٌ في السلوك، لأجل تحقيق الاستقامة.

سلسلة الأثر القرآني

تفكُّر تدبُّر تذكُّر تطهُّر تأثُّر تغيُّر
«فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» سورة هود

تُقيم الدورة حلقةً في جوف الليل بعد النافلة، بناءً على أن التهجّد بالقرآن نوع من أنواع الجهاد به. استعان به المتّقون على اجتناب المعاصي كلّها والإقلاع عنها، لأجل تحقيق الإحسان: "إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ۞ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ". يكتمل البناء بهذه الحلقة، فيعود المشارك إلى يومه وقد أخذ من ليلته زاداً لا ينقطع.

القاعدة الختامية

لا يكفي التمكّن من لغة القرآن وبلاغته كي يستجيب له القلب؛ تأثّر القلب بالقرآن يتطلّب تطهيره وتذكيره، فالقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كلّه.

خلاصات الدرس

ما يحمله القارئ

أولاً

تنطلق الدورة القرآنية التفكّرية من حديث التلاوة والتدارس، لتجمع بين الأمرين في أسبوع مغلق كامل يتعهّد فيه المشارك بضوابطه

ثانياً

تستند ضوابط الدورة إلى آية «والذين هم عن اللغو معرضون»، وتتمحور حول تسليم الهاتف، واجتناب الغيبة، وترك الحديث عن النفس

ثالثاً

تُحذّر الدورة من تقديس الاجتهاد البشري، وتُحيل الكلام المعرَّض للخطأ على النصّ القرآني المقدّس، مع ميثاق ومرجعية علمية

رابعاً

يحضر العرب والعجم فتُراعى البداية من عالم الشهادة قبل حقائق الغيب، وقد تراجع ملاحدة عن إلحادهم بعد حضور الدورة

خامساً

استحضار الضعف طريق إلى الخشوع، والعجب بالقوة طريق إلى الاستكبار، ومن استغنى فقد خسر

سادساً

ينقسم الضرّ ثلاثة: ابتلاءٌ كأيوب، وتذكيرٌ كيونس، وتأديبٌ كأصحاب الجنة، وكلّه في باطنه رحمة مهما بدا ظاهره شرّاً

سابعاً

ثمرة التدارس سلسلة متّصلة: تفكّر ← تدبّر ← تذكّر ← تطهّر ← تأثّر ← تغيّر؛ من فاتته حلقةٌ لم يبلغ مقصدها

ثامناً

تُقام حلقة الليل بوصفها جهاداً بالقرآن، تُعين على اجتناب المعاصي، وتُحقّق مقام الإحسان