قراءةٌ في كلمة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عُمان، في افتتاح ندوةٍ عقدتها مؤسسةُ الإمام جابر بن زيد الوقفية بجامعة السلطان قابوس.
أهداف القراءة
كلمةُ الافتتاح
كتب سماحةُ الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عُمان، كلمةَ افتتاح هذه الندوة، وتولّى إلقاءَها نيابةً عنه فضيلةُ الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي. جرت الكلمةُ بحضور معالي السيد خالد بن هلال البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني راعياً للحفل، وبحضور صاحب السمو السيد الدكتور فهد بن الجلندى آل سعيد رئيس جامعة السلطان قابوس، وجمعٍ من أصحاب السمو والمعالي والفضيلة.
افتتحَ السماحةُ كلمته بالحمد لمن أنزل القرآن «هادياً من كلّ ضلالةٍ، ومعلماً من كلّ جهالةٍ، ومبصراً من كلّ عماءٍ، ومرشداً إلى كلّ هدى»، ثم صلّى وسلّم على النبيّ المصطفى «الذي اختصّه الله بهذا الخير العظيم وكرّمه به أعظم تكريم».
شكر سماحةُ المفتي جمعَ الحاضرين على تشريفهم الندوةَ، ووصفَ غرضَها الأول بأنّه «بيانُ طوايا الكتاب العزيز من العلوم والهدايات»، وهو التأطيرُ الذي يَنتظمُ الكلمةَ كلَّها.
الدعوى المحورية
وضعَ سماحةُ الشيخ في صدر كلمته دعوى تأسيسيّةً تَحكمُ ما بعدها: «إنّ أكبر حدثٍ في التاريخ هو إنزالُ هذا الكتاب العزيز». شرحَ هذه الدعوى بأربعة آثارٍ حقّقها القرآنُ في الإنسان: تبصيرُ العقول من عَماها، وتشريفُ المهتدين بِوَصلهم بالحضرة الربانية، وتبصيرُهم بألغاز الحياة، وبيانُ موقع الإنسان بين المبدأ والمنتهى.
يَستوقفُ القارئَ ترتيبُ هذه الآثار في ذهن السماحة: يَبدأ من تحرير العقل من ظلمته، ثم يَرفعُ المهتدي إلى مقام الاتصال بخالقه، ثم يَكشفُ له أسرارَ الوجود، ثم يُجيبه عن أعوص أسئلة الإنسان: من أين؟ وإلى أين؟ وما الذي بينهما؟ يَنتقلُ الخطابُ من العقل إلى الروح إلى الكون إلى الإنسان نفسه.
القرآنُ يُعرّفُ نفسَه
استندَ سماحةُ المفتي إلى طائفةٍ من الأوصاف التي أطلقها القرآنُ على ذاته، فلم يُعرّفه بألفاظ الناس بل بألفاظه هو. استحضرَ في تتابعٍ محكمٍ خمس صورٍ لهذا التعريف الذاتي، جمعت بين الهداية العامة للناس والبشرى الخاصة للمؤمنين والمحسنين، وبين كونه فرقاناً ودليلاً إلى الأقوم، وكونه شفاءً ورحمةً.
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
البقرة: ١٨٥
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
الإسراء: ٩
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
الإسراء: ٨٢
يَستفيدُ السماحةُ من تضافر هذه الآيات أنّ القرآن يَدّعي لنفسه ما يَتجاوزُ الإرشاد اللفظيّ إلى إحداث أثرٍ حقيقيٍّ في المتلقي: يَهديه إلى الأقوم، ويُبشّره إن آمن، ويُحسنُ إن أحسنَ، ويَشفيه من علل النفس والمجتمع. لا يُكتفى فيه بأن يَسمع المرءُ نصَّه، بل يُطلبُ منه أن يَنفذَ أثرُه إليه.
أثرُ القرآن في أوّل جيلٍ خُوطب به
يَنتقلُ سماحةُ الشيخ من تعريف القرآن لنفسه إلى بيان أثره التاريخي. يَختارُ مثلاً قصوى: الأمةُ التي خُوطبت أولاً بهذا الكتاب كانت «أغرقَ الناس في الضلالة وأبعدَهم عن الرشد والهدى». ثم صارت، بفضله وحدَه، «أمةً فذّةً ما بين الأمم، اهتدت بهم الشعوبُ، وتابعتهم عليها الأممُ، فكانوا للإنسانية قادةَ رشدٍ وهدايةٍ».
ما صَنعَ القرآنُ بالعرب الأميّين يَصنعُه بكلّ قومٍ يَتّصلون به اتصالَ وحيٍ لا اتصالَ تلاوةٍ. الضلالةُ المطبقةُ لا تَمنعُ الهدايةَ إذا نزل النورُ الحقيقي، والأميّةُ لا تَحولُ دون الريادة إذا صارت القلوبُ أوعيةً للوحي.
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
الجمعة: ٢
لم يَقف هذا الأثرُ عند الجيل الأول. أشارَ السماحةُ إلى تتمّة الآية «وآخرين منهم لمّا يَلحقوا بهم»، فحملَها على الأمم التي اهتدت بهدى العرب، فكانت لهم «أصدقَ أخوّةٍ وأخلصَ اتّباعٍ»، ثم نافستهم في ريادة معالم القرآن، وارتقت بلغته، وآثرتها على لغاتها.
نموذجانِ للغَيرة على القرآن
اختارَ سماحةُ المفتي لتوضيح انتصار الأمم غيرِ العربية للقرآن نموذجَين من أعلام العجم الذين خدموا لغةَ العرب. أوّلهما سيبويه الفارسيّ، الذي حرصَ على سلامة لغة القرآن من أن تَلحقها شائبةٌ، «حتى ذهبت روحُه في سبيل ذلك». وثانيهما الإمامُ الزمخشري، الذي جاء قولُه صريحاً في الاعتزاز بخدمته لهذه اللغة.
اللهَ أحمدُ على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفردَ عن صميم أنصارها وأمتاز، وأنضويَ إلى لفيف الشعوبية وأنحاز، وعصمني من مذهبهم الذي لم يَجد عليهم إلّا الرشقُ بألسنة اللاعنين والمشقُ بأسنّة الطاعنين.
جار الله الزمخشري — في مقدّمة الكشّاف
اختار السماحةُ فارسيّاً يَبذلُ دمَه لأجل سلامة لغة القرآن، وخوارزميّاً يَبذلُ انتماءَه الشعوبيّ لأجل الانتساب إلى أنصار العربية. يَكشفُ هذا الاختيارُ عن رؤيةٍ عميقةٍ للإسلام بوصفه حاملاً للأخوّة فوق العرق واللسان، وجامعاً بين الأمم على هداية كتابٍ واحدٍ.
المطلبُ المنهجيّ
يَنتقلُ الخطابُ هنا من الوصف التاريخيّ إلى الاستلزام المنهجيّ. إذا كان القرآنُ بهذا القدر في موازين الحقّ وفي حياة البشر، فإنّه «من الضرورة أن تُصاغَ الحياةُ كلُّها صياغةً قرآنيةً، من حيث الفكر والمنهج». يُعلّق السماحةُ على المسلمين الذين آمنوا بهذا الأمر وَاجبَ القدوة، «أن يكونوا هم القدوةَ لجميع البشر في هذا الأمر العظيم».
يَفتحُ السماحةُ هذا المطلبَ لجميع أصحاب التخصصات العلمية «فعلى كلٍّ منهم أن يُنافسَ في مجاله»، ثم يُقرّرُ أنّ «عطايا القرآن في حياة البشر لم ولن تَقف عند حدٍّ إلى أن يَرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها». يَرفعُ بهذا القولِ سقفَ ما يُمكن أن تَبلغه البحوثُ القرآنية في المستقبل، ويَدفعُ عنها وَهمَ الاستغناء بما سبقَ من تفاسير.
ناشدَ السماحةُ أمةَ القرآن «أن تَبذلَ في ذلك كلَّ غالٍ ونفيسٍ»؛ إذ تُصبحُ العنايةُ بالكتاب في رأيه فَرضَ كفايةٍ على التخصصات كلِّها: الطبّ والاقتصاد والتربية والسياسة والعمران، لا شأناً محصوراً في دائرة العلماء الشرعيين وحدهم.
خاتمةُ الكلمة
ختمَ سماحةُ المفتي كلمته بنصيحةٍ اختارَ لها قالب البيت الشعريّ. جعلَ القرآنَ فيه منارةً للزمان حين تَغشاه العَماية، ودستوراً لا تَسعدُ الدنيا بغير الاحتكام إليه. جمعَ البيتان بإيجازٍ ما بسطه الخطابُ كلُّه: الهدايةُ والتشريعُ، المنارةُ والدستورُ، السعادةُ الدنيوية والاستمساكُ بالوحي.
أنهى سماحةُ الشيخ بدعاءٍ جامعٍ سألَ فيه اللهَ أن «يُسدّدَ خُطانا وخُطى جميع العاملين لأجل نصرة القرآن ورفع مقام البشر به»، خاتماً بالثناء على الله بأنّه «نِعم المولى ونِعم النصير».
ما قرّرَه السماحةُ في ستّ محطاتٍ